"أصحاب السيادة إنجيل السّياسة" تعاملوا مع السّلطة السياسيّة كما تعامل معها المسيح

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

أسعد الله آياتِ حضورِكم

يا رَبّ يا مْشَرِّقْ

وِجَّكْ عَ هَوْن وْهَوْنْ

تْكَمِّش، تْفَرِّقْ

مِنّو عَ كِلّ الْكَوْنْ.

بصلاةِ سعيد عقل من قداسه الحبروي أبدأ.

هل لفظَ الخلاصُ البشريُّ أنفاسَه الأخيرة، معَ آخرِ غرزةٍ لإكليل الشَّوك في رأسِ المسيح، وآخرِ غرزةٍ لمِسمارٍ في جسده المتألِّم بعد جلجثةٍ طويلة، وآخرِ غرزةٍ لشتيمةٍ وإهانةٍ في روحه القدُّوس، وهو على الصَّليب يطلبُ لصالبيه الغفرانَ، لأنَّهم لا يدرون ماذا يفعلون...؟

إذا كان هؤلاءِ الصَّالبون الجهلةُ لا يدرون، فما بالُنا نحن الذين دَرَوا المسيح واعتنقوه وآمنوا به، حتى لو لم يرَوْه، ولهمُ الطُّوبى، ما بالُنا نتبنَّى قولَ نيتشه إنه لم يعرف في التاريخ سوى مسيحيٍّ واحدٍ... ماتَ على الصليب؟ وما بالُنا نردِّد مع جوزف حرب:

أَلْفَا سَنَهْ

مَرَّا عَلَى مَوْتِ الْمَسِيحِ

وَلَمْ تُزَهِّرْ مِنْ حَدَائِقِ رُوحِهِ

فِي الْأَرْضِ

حَتَّى سَوْسَنَهْ.

ويحَنا... أمسيحيون نحنُ بأننا رَكنَّا فحسب إلى أنَّ المسيحَ جاء ليخلِّصَنا، فاستكنَّا ونِمْنا على سبعِ خرزات ظهرِنا، وجعَلنا صلاتَه وسادةً لنومِنا، وجراحَه عكازًا لتعثُّرنا، وآلامَه سبحاتٍ لصلاتنا، وثوبَه المقترَعَ عليه مناديلَ لدمعنا، ووعدَه بالمجيء الثاني انتظارًا مميتًا لنا؟ وكفى؟

أمسيحيونَ نحن، ولم نجعلْ كتابَه دليلَ حياتنا، بوضوحِ الوضوحِ الصَّارخ فيه، فرُحنا نَعُدُّه لائحةَ طعامٍ ننتقي منها ما شئنا من أطباق؟

أمسيحيون نحن، وما زلنا نَهيمُ في صحارى العقائد والأفكار بحثًا عن خلاص، والخلاصُ مُشرَعةٌ أمامنا صفحاتُه في الأربعةِ الأناجيل؟

عفوَكم... اتبعوني في آيتين من الإنجيل، ودقِّقوا في أسلوبيهما وفعلَيِ الأمر المستعملَين فيهما، وحاسبوني في النهاية.

صعَد المسيح إلى السَّماء وجلس عن يمين الله الآب، وفي يقينه أننا فهمنا ما علينا القيامُ به في انتظارِ مجيئه الثَّاني.

قال لنا: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله... أي إنه، وقد أتمَّ رسالته إنسانًا وإلهًا على الأرض، قال: ما زلتم يا بني البشرِ، بشرًا، وكما تعاملتُ أنا معَ السلطة السياسية، عليكم أنتم أن تتعاملوا معها... إلى أن يسود ملكوتُ السماوات.

قال، في ما يعنينا نحنُ البشر، لاستكمال رسالته: أعطوا. أي إنه أمرَ بلا لَبسٍ ولا مواربةٍ، وبلا اعتراضٍ أو سؤال. أعطوا وكفى... فتستمرَّ حياتُكم على الأرض، حتى مجيئي الثاني. وبالعقل الذي وُهبتم، طوِّروا الدَّساتير والقوانين والنُّظمَ... وعيشوا حتَّى في المدينة الفاضلة، ولكن أعطوا ما لقيصر لقيصر... ولا تنسوا الله.

أما في ما يعنيه هو، وفي ما يعني عبادتَه، فماذا قال؟

لا تعبُدوا ربَّين: ألله والمال... أي إنَّه لم يأمر جازمًا، بل ترك الخِيار لبني البشر بين الرَّبين. كأني به يقول: دعوني وشأني. أنا لي رب يهتمُّ بشأن عبادتي. أما أنتم، وأنا هو ربُّكم الأوحد على ما جَهَرَتِ الوصية الأولى، فأحرارٌ في ما تعبدون. ومثلما خلقتُكم على صورتي ومثالي، كنت بينَكم بشرًا، على صورتِكم ومثالِكم... فأودعتُكُم ما عندي لخلاصكم، واحترمتُ حرِّيتكم، ورحلت.

فماذا تعلَّمنا مما تَرَكَ لنا؟ وماذا طبَّقنا... غير أن نلعنَ ونشتمَ ونلومَ ونلقيَ تبعات المآسي والمخاطر والمعاناة... على غيرنا؟

لعلَّ في كتاب "أصحاب السيادة" للقسيس الدكتور إدكار طرابلسي، صديقي ورفيقي منذ أربعينَ آيةَ محبَّة... لا أربعينَ سنةً، وقد شهدتُ ولادةَ حروفه حرفًا حرفًا، وواكبتُها سطرًا سطرًا، حتى صارت بين دفَّتي كتاب، إلى أن وقفتُ، في هذه العشيَّة، بينكم، أعترفُ أمامكم.

أقُلت لَعَلِّي؟ ويحي... بل أجزمُ بأن "أصحاب السيادة"، ليس درسًا في اللَّاهوت صارمًا وجديًّا، أو ليسَ بحثًا في السِّياسة، بل، وهاكُم اعترافي، إنجيلُ السياسة... وأجزم.

فلمن يؤمن، كما آمنت، بمفهوم السياسة على ما حدَّده سعيد عقل، وهو أنَّها أخطر علم، لأنَّ مادَّتها الرئيسة هي الإنسان، أقول: لا يقتربنَّ منها إلَّا إذا كان أخا إيماني بهذا القول، وإلَّا إذا حفظ كتاب "أصحاب السيادة" عن ظهر قلب، وشرعَ مذ طوى صفحته الأخيرة، في الفعل، وجَهِدَ ليُطَبِّق.

ويا صديقي إدكار، وسأرفع الكلفة ولو كنَّا في احتفال عام، كنتَ كلَّما طرحت سؤالًا أو استفسارًا، ترسله إليَّ مقرونًا باعتذار أنَّك عذَّبتني، وأنك تعذِّبني معك. بالله عليك، يا صديقي، عذِّبني إلى يوم القيامة، ما دام العذاب سينزل على الناس كتابًا... وأيَّ كتاب؟

عذِّبني أنت... ولا يعذِّبنَّني أكثرَ رجالُ دين، من كل طائفةٍ وملَّة، وفي أصقاعِ الأرض الأربعة، وقد باتوا أشبه بموظفين على الدوام، لا رسلًا، يحشرون أنوفهم في ما لا يعنيهم، وقد قال فيهم والدي الشاعر ذات يوم، وأردد معه اليوم، بكل الجُرأة التي استقيتُها من جبينه العالي، بلا إحراج ولا ضرورةٍ لاعتذار، لأن الحقيقة ولو جارحة هي ما أَنْشُدُ، قال أنطون يونس، وأعيد معه:

ورهبان (ويمكن القول كِهّان، مْطارين، وِشْيوخ، مُفتين... لكم الخِيار، شرط أن يبقى الشطر موزونًا)

وْرِهْبان كِتْر السَّرْسَرا غَلّو

إي هَيْك خِلْقو وْهَيْك بيضَلّو

وْعَ قَدّ ما بيحَرْتقو بْبَعْضُنْ

ما ضَلّ عِنْدُنْ وَقْت تَ يْصَلّو.

خلِّكم بالله وكنيستِه ودورِ عبادته، من دون أن تنسُوا قيصر، يا أصحاب السِّيادة، ودعوا قيصر علينا... ولن ننسى الله، لأنهُ بعدُ في قلوبنا، وسيبقى.

حان أوان الحساب... أراد القسيس طرابلسي كتابه سوسنةً من حدائق روح المسيح، يضوع عطرها في النفوس وقصور الحكم، إلى أن ينقضيَ الدهر... وكنتُ ممن عانقوا هذا العطر، ووعدي أن يطول العناق إلى أن تنقضي الأنفاس.

هذه "خطيئتُك" إدكار، أرتكبها معك وعنك، إذا شئتَ... وكلُّنا هنا من مُريدي "خطيئتك العظيمة"... ولكنْ كنْ، وهذا فعل أمر، لا مجالَ للحَيْرة أو للخِيار فيه، كُنْ على ثقةٍ، بأنَّنا لن نرجمَك حتَّى بسوسنة، بل "سنكمِّش" من صفحاتِ كتابك ونفرِّق على كلِّ الكون.

AddToAny