أصل الخطيّة

الموضوع:
العدد:
السنة:

في تكوين 1 و 2 يذكر الوحي المقدّس أنّ الخليقة كانت كاملة وحسنة، لكن بدخول الخطيّة ساء الوضع.  سؤالي هو: هل كانت الخطيّة جزءًا من خطّة إلهيّة للإنسان؟  ماذا لو لم يسقط الإنسان في الخطيّة، هل كان سيناريو آخر سيُعدّ في الكتاب المقدّس؟

الجواب: هذا سؤال عظيم!  وأظنّ أنّ مَنْ قرأ الكتاب المقدّس قد طرح هذا السّؤال في يوم من الأيّام.  وعلى الرّغم من كون الكتاب المقدّس لا يُجيب عنه مباشرة، إلا أنّه يُعطينا بعض المعايير الّتي تُساعدنا على ضبط مُخيّلتنا.  لذلك دعونا نستعين ببعض هذه المعايير:

أوّلاً: الكتاب المقدّس واضح جدّاً في أنّ الله يعرف كلّ شيء – حتّى الأمور الّتي لم تحدث بعد (أنظر: مزمور 139: 1-12؛ 147: 5؛ إشعياء 42: 9؛ عبرانيين 4: 13 وغيرها).  بعضهم يُشكّك بمعرفة الله للمستقبل إن كان هذا الأخير يعتمد على خيارات أخلاقيّة حرّة للإنسان، يعملها بناء على معطيات قد تطرأ في حينه (هذه تُدعى بالإنكليزيّة Open Theism ).  مع هذا، يُعطي الكتاب المقدّس أمثلة عديدة عن معرفة الله بما يُخبّئه المستقبل، على الرّغم من كونه يتوقّف عند قرارات لم يتّخذها النّاس بعد (على سبيل المثال، قارن النبوءات في مزمور 22 و إشعياء 53 مع المشهد الحاصل قُرب صليب المسيح المذكور في متى 27 و يوحنا 19).  الله يعرف حتّى كلّ الاحتمالات المُستقبليّة وما فيها من نتائج للقرارات الّتي يتّخذها البشر مهما كانت (اقرأ: 1 صموئيل 23: 10 -18؛ متى 11: 20-24؛ أعمال 27: 22-25؛ 30-32).  إنّ معرفة الله اللامتناهية لكلّ "الاحتمالات المُستقبليّة" (أو بالأحرى "المستقبلات[1] المحتملة") بالإضافة إلى معرفته "المستقبل الفعليّ" تفوق قدرة الناس على سبر غور هذه المعرفة!  تماماً كما يقول داود الملك: "عجيبةٌ هذهِ المعرِفةُ، فوقي ارتفَعَتْ، لا أستَطيعُها" (مز 139: 6)؛ لكنّها تبقى حقيقة فعليّة وإن لم تُدرَك.

ثانياً: الكتاب المقدّس واضح جدّاً عندما يتكلّم على قداسة الله (1 بط 1: 15-16)، وكراهيّته للخطيّة (أم 6: 16-19).  أمّا أن يُظنّ، كما يفعل بعضهم، أنّ الله "أراد أن يُخطئ كلّ مِن آدم وحوّاء"، وذلك ليُعظّم نعمته، أو ليجعلهم أكثر تجاوباً معه من خلال الألم، أو لأيّ سبب آخر – فهذا يُسيء إلى الصّورة الكتابيّة عن الله القدّوس والحقّ.  فالله عندما أمر أبوَينا الأوّلَين ألاّ يأكلا من الشجرة المُحرّمة مُحذِّراً إيّاهما من أشدّ العواقب وأرهبها، كان بغاية الجدّية في تحذيره.  وفي الوقت نفسه، لم يكن الله يُريدهما أن يسقطا في هذا الامتحان.  لكن، قد يُسأل: هل كان عالماً بأنّهما سيَسقُطان؟  حتماً كان عالماً بذلك، فهو يعرف كلّ شيء. 

وهكذا نصل إلى السؤال: وهل كانت الخطيّة إذاً، جزءاً من خطّة الله للبشر؟  أمّا الجواب فهو: "نعم" و"لا" في الوقت نفسه.  نعم، فالله كان عارفاً بكلّ تأكيد أنّنا سنُخطئ، واضعين أنفسنا وعالمنا على درب عذابات ومصائب لا يتخيلّها المرء.  وإذ هو كان عالماً بخيارنا، دبّر خطّةً لإنقاذنا في المسيح " الحمَلُ المذبوحُ قَبلَ تأسيسِ العالَم" (رؤ 13: 8 و 1 بط 1: 20).  وهكذا، ولأنّه كان عارفاً بأنّنا سنُخطئ، كان إثمنا وخلاصنا يُشكّل كلّ منهما "جزءًا من خطّته" منذ البداية.  ولا، لم تكن الخطيّة جزءًا من خطّة الله الّتي تمنّاها للنّاس وصنعها لهم.  على سبيل المثال، أنا أعلم أنّها ستُمطر اليوم، فآخذ معي المظلّة استعداداً لذلك.  أنا فعليّاً لا أُريدها أن تُمطر، ولا يُمكنني أن أجعل السّماء تُمطر.  وعلى الرّغم من علمي أنّ شيئاً ما سيحدث، رغم كوني لا أريده ولا أُسبّب حدوثه، فأنا استعددت له وأخذت احتياطاتي ليوم ماطر.  من المؤكّد أنّه لا يُمكن مقارنة حكمة الله ومُخطّطاته بمَثَلي هذا، لكنّني آمل أن أكون قد أوضحت من خلاله أنّ الله لم يُرِد الخطيّة في خطّته للإنسان، لكنّه دبّر خطّة الخلاص للخطاة.

لكن يبقى السّؤال: بما أنّ الله عرف أنّنا سنُخطئ، وهو لم يكن يُريد ذلك، فلماذا خلقنا قادرين على أن نُخطئ؟  ألم يكن باستطاعته أن يخلقنا غير قادرين على عصيانه؟  طبعاً، هذا كان مُمكناً إن لم يكن الله يُريدنا أن نكون على مثاله.  فالله محبّة، وهو أرادنا أن نُحبّه بكلّ قوانا العقليّة والقلبيّة (تث 6: 5).  فالمحبّة الحقيقيّة ليست إلاّ طوعيّة؛  وعروس المسيح ليست عروساً مخطوفة بقوّة السّلاح.  فإلى أن يختار أحدنا ألاّ يُحِب لا تكون محبّته من النّوع الّذي يُرضي الحبيب ويبني علاقة سليمة معه.  وهكذا، قد يُقال إنّ الله كان يُخاطر بين خيارَين: أن يُحبّه الإنسان أو لا يُحبّه، لكن على الرّغم من ذلك، أراد أن يُؤسّس علاقة معه مبنيّة على محبّة طوعيّة وحرّة.

أمّا الجزء الثّاني من السّؤال فهو: "ماذا لو أنّ الإنسان لم يسقط في الخطيّة؟"  بالحقيقة إنّ هذا السّؤال هو فرضيّ بالتّمام.  فالخطيّة موجودة فعلاً، وبسببها دخل الموت إلى العالم، ولُعِنَت الخليقة، وخُلق النّاس في عداء مع الله ومع بعضهم.  وقد مات المسيح وقام من بين الأموات ليُعطي جميع الّذين قبلوه أن يصيروا أولاد الله (اقرأ: تكوين 3؛ رومية 3 و 5؛ يوحنا 1: 12).  ولكن للإجابة عن السّؤال، نقول إنّه لو لم تدخل الخطيّة إلى العالم لكان كلّ إنسان بعلاقة حميمة مع الله ومع كلّ الناس، ولكانت الأرض جنّة، ولما أخطأ أيّ إنسان، ولما صُلِبَ المسيح إطلاقاً.  وفي غياب جواب مباشر في الكتاب المقدّس عن هذا السّؤال، أميل إلى الاعتقاد بأنّ الله (الّذي يسمح أو لا يسمح بالتّجربة – انظر أيّوب 1: 12؛ لوقا 22: 31؛ 1 كورنثوس 10: 13)، كان سمح لآدم بأن يُجرَّب مرّة ثانية، بل لكان أعطاه بعد انتصاره على التجربة الأولى أن يَثبُتَ بالبرّ تماماً كما ثبُت بعد السّقوط بطبيعته الخاطئة.  نحنُ لا يُمكننا التأكّد من دقّة هذا المنطق، لكن ما يُمكننا التأكّد منه هو أنّ الله قد أحبّ الإنسان عندما سقط.  فبولس الرّسول يقول: "ولكِنْ حيثُ كثُرَتْ الخطيّة ازدادتْ النّعمةُ جدّاً" (رو 5: 20).  وأن نعرف مدى محبّة الله لنا يدفعنا لأن نُحبّه بدورنا (اقرأ 1 يوحنا 4: 19).  فهل تُحبّ الله حقّاً؟

 

[1] جمع "المستقبل"

AddToAny