أصنام المرأة الثّلاثة

العدد:
السنة:

في القرنين العشرين والواحد والعشرين، تعالت الأصوات الّتي تُطالب بحريّة المرأة ومساواتها بالرّجل من حيث الحقوق والامتيازات، كما كثرت المؤسّسات المدافعة عنها.  وأصبحت صورة المرأة في عصرنا تختلف كثيراً عن صورتها في الماضي.  ومع أنّ حقوقها ما زالت مُنتَقَصة في بعض الدّول، إلاّ أنّها تقدّمت في الكثير من الأمور؛ ففي مجال العلم مثلاً وَصَلت إلى أعلى الدّرجات، وفي ميدان العمل تبوّأت أعلى المناصب، حتّى باتت تُنافس الرّجل في معظم ميادين الحياة…  ولكنّها، على الرّغم من ذلك، أصبحت أسيرة أصنام ثلاثة.  نعم أصنام! فالصّنم ليس فقط تمثالاً من الحجر، إنّما هو كلّ ما يسيطر علينا فنخضع له.  وهكذا، فقد  أبدلت المرأة بقيودها الماضية قيوداً أخرى من دون أن تشعر.

صنم الجمال

كثُر التّركيز اليوم على موضوع الجمال، إلى حدّ "الهَوَس".  وللأسف، أصبح الجمال شرطاً لكثير من الأمور.  وساهم المجتمع، عبر الإعلام والتّلفزيون، في التّركيز أكثر فأكثر على الشّكل الخارجيّ للمرأة.  أمّا الخوف من الشّيخوخة والتّجاعيد، فقد أصبح هاجساً، لا بل مرضاً نفسيّاً عند بعض النّساء بكلّ ما للكلمة من معنى.  ومن دون أن تدري، انزلقت في هذا المضمار وخضعت له بدلاً من أن تدافع عن موقعها ومقامها.  فقلّما تجلس في محضر النّساء من دون أن تنتبه للموضوع الغالب على أحاديثهنّ، والّذي يدور حول أشكالهنّ وآخِرَ مبتكرات التّجميل، وتلاحظ أنّ معظمهنّ غير مكتفٍ بشكله.  فكلّ واحدة تنصح صديقتها بتجميل جزءٍ فيها.  وهذا طريق لا نهاية له، لأنّ الجمال لا حدود له، مهما عظُمَ وازداد! 

لا شكّ في أنّ الجمال مهمّ، وهو عطيّة من الله، وكلّ خلائق الله جميلة، وبالتّالي يجب أن نعتني بها ونحافظ على أصول النّظافة والتّرتيب.  ولكن أين تكمن المشكلة؟  ماهو الجمال؟  وهل هو جمال الشّكل؟  أليست الأخلاق والّلطافة والبشاشة والطّيبة من أكثر ما يُجمِّل الإنسان؟  إنّ الله لم يخلق المرأة لتكون سخيفة وسطحيّة، ولا لتكون لوحة عرضٍ، أو أداة متعةٍ للرّجل.  يقول الكتاب المقدّس: "الحسْنُ غِشٌّ، والجَمالُ باطِلٌ.  أمّا المرأةُ المُتَّقِيةُ الرّبَّ فَهي تُمدَحُ".  لو وَثِقَت المرأة بنفسها وشخصيّتها لما شعرت اليوم بهذا الضّعف، ولما دخلت في هذا السّباق مع بنات جنسها.   وكم كنتُ أتمنّى لو ينتقل هذا السّباق إلى الإنسان الدّاخليّ، فتهتمّ المرأة بجمال نفسها وبقيمتها الشّخصيّة، كما نصحها بطرس الرّسول عندما طلب منها أن تهتمّ "بإنسانِ القَلبِ الخَفيّ في العَديمَةِ الفَساد، زينَةُ الرّوحِ الوَديعِ الهادئِ الّذي هو قُدّامَ الله كثيرُ الثّمن" (1 بطرس 3: 4).  إنّ الإنسان هو أرفع مخلوقات الله وأثمنها، وقد كلّف دم المسيح ثمن فداء له.  ليت المرأة تعرف أنّها مهمّة وغالية في نظر الله، وأنّ كثرة اهتمامها بجمالها الخارجيّ هو أكبر دليل على فراغها الدّاخليّ.

صنم الموضة

ماذا أقول عن هذا الصّنم وهو حصيلة حتميّة للصّنم الأوّل.  لقد صار همّ المرأة ظهورها بشكل يتماشى مع الموضة مهما كان الثّمن، متغاضية عن مبادئ الحشمة والأدب وحتّى الذّوق.  أين نحن اليوم من صورة المرأة المؤمنة؟  أين نحن من صورة النّساء المتعاهدات مع الله، اللّواتي أوصانا الرّبّ بالتّشبّه بهنّ كسارة زوجة إبراهيم، أو حتّى كمريم أمّ يسوع (1 بطرس 3: 6)؟  تستطيع المرأة بكلّ سهولة أن تعتمد الذّوق في لباسها من دون التّخلّي عن مبادئ الحشمة.  هل أصبح جسدها منظراً مُباحاً لكلّ النّاس؟  أيُسعدها هذا الأمر بدلاً من أن يُخجلها؟

لقد أراد الله أن تكون المرأة لزوجها فقط، وليس للعالم أجمع.  لقد كُسِرت كلّ القواعد والقِيَم، وأصبح الإيمان والتّقوى كلمات لا تتجاوز حدود الفم، بعيدة كلّ البعد عن الحياة والتّطبيق.  لا بل أصبحت المرأة المحتشِمة تُتَّهم بالرّجعيّة أو الغباء أو التّعقيد بدلاً من أن تُمدح.  وأصبحت الموضة، الّتي غالباً ما تُصمّم من الرّجال بهدف الإثارة والإغراء، هي الّتي تُسيطر على النّساء، وتقود بالتّالي إلى صنم الجنس.  أنا أعلم أنّ هذا الكلام قد لا يعجب بعضهنَّ، لكنّ مشاعر الرّبّ هي الأهمّ، وتعليم الكتاب المقدّس يبقى فوقنا جميعنا، كما يقول في 1 تيموثاوس  2: 9-10 "كذلك (أُريد) أنّ النّساء يُزيّنَّ ذواتهنَّ بِلباسِ الحِشمَةِ، مع وَرَعٍ وتَعَقّل، لا بِضَفائِر أو ذَهَبٍ أو لآلِئَ أو ملابِسَ كَثيرةَ الثَّمَن، بلْ كما يَليقُ بِنِساءٍ مُتَعاهِداتٍ بتَقوى الله بأعمالٍ صالِحةٍ".  ويجب أن نُحرّض بعضنا بعضاً على التّوبة والرّجوع إلى خطّة الله لحياتنا.  نعم، أقول التّوبة، لأنّ هذه الأزياء تساهم في تلويث أذهان النّاس وإثارتهم.  يقول الرّبّ "إنّ كُلّ مَنْ يَنظر إلى امرأةٍ ليَشتهيَها فقد زَنَى بها في قَلبِه" (متى 5: 28).  فلنتيقّظ ولنَخَف الله، إذ "وَيلٌ لذلك الإنسان الّذي به تأتي العَثَرَة!" (متى 18: 7).  إنّ مظهر الإنسان هو رسالة واضحة لما في قلبه.  النّظيف في الدّاخل نظيف في الخارج أيضاً.  ربّما هناك مَنْ هو محتشم في مظهره لكنّه مراءٍ في داخله، إنّما العكس ليس صحيحاً.  كوني قدّيسة أيّتها المرأة في داخلك وخارجك، كما يليق ببنات الله.  يكفيك فخراً أن يمدحك الرّبّ.

صنم العمل

ربّما لا يخطر على بالنا أنّ العمل صنم.  لكن، كم من امرأة أهملت بيتها وزوجها وعائلتها بدافع العمل.  وكم من امرأة تسبّبَ نجاحها وترقّيها في العمل، وبخاصّة تفوّقها على زوجها، في تخطّي هذا الأخير والتكبّر عليه وتحقيره.  طبعاً أنا لست ضدّ طموح المرأة وتقدّمها وعملها.  لكنّي أرفضُ أن يحصل هذا على حساب العائلة.  لقد ضاعت الأولويّات، وبالتّالي كثرت الأزمات في البيوت.  والأكيد أنّ عمل المرأة ليس هو السّبب الوحيد في خراب البيوت، لكنّه أحد الأسباب حتماً.  فهو السّبب المباشَر المؤدّي إلى حالة الفراغ والضّياع الّتي يعيشها الأولاد المتروكين لأوقات طويلة من دون السّلطة المطلوبة والرّعاية اللاّزمة.  إنّ سِني الولد الأولى هي الأهمّ في تكوين شخصيّته، وشَبَعه العاطفيّ يحميه من معظم الأزمات النّفسيّة الّتي قد تُصيبه لاحقاً.  وهذه الحقائق أثبتتها الدّراسات العلميّة بشدّة.  فتربية الأولاد وتنشئتهم ليسا من مهمّات الخادمة.  كما أنّ التّربية تتجاوز إطعام الولد وإلباسه، إنّها صياغة شخصيّته وتحصينه نفسيّاً وعاطفيّاً، وتطوير مقدِراته وتأهيله لمواجهة صعوبات الحياة وتحدّياتها.  لا بديل من وجود الأمّ في حياة الولد.  إلاّ أنّ تربية الأولاد قد أصبحت لبعضهنّ، للأسف، أمراً ممِلاًّ وعِبئاً نَفسيّاً كبيراً عليهنّ، لا بلْ عائقاً أمام تقدمهنّ في الحياة.  لا شكّ في أنّ الكسل مرض، ولا مانع من أن تعمل المرأة لتعين زوجها وأيضا لتُطوّر نفسها فكريّاً ونفسيّاً.  لكنّ المهمّ هو الحفاظ على الأولويّات في الحياة بحسب أهميّتها.  دور المرأة أوّلاً هو بيتها، فهي لو ربحت العالم كلّه وخسرت عائلتها لا تنتفع شيئاً.  هناك الكثير من الكماليّات الّتي بإمكاننا كسيّدات أن نُضحّي بها ونتخلّى عنها فنُخفّف من الأعباء الماديّة على البيوت، وهذا قد يسمح لنا بإعطاء مزيد من الوقت لعائلاتنا.  

يوصينا الرّسول يوحنّا بأن نحفظ أنفسنا من الأصنام (1 يوحنا 5: 21)، وأنا أقول لكلّ سيّدة وصبيّة، الرّبّ وحده دون سواه، يستطيع أن يُغني حياتكِ ويعطيكِ شَبَعاً داخليّاً.  إنّ المرأة الجميلة هي تلك المرأة المؤمنة، والنّاضجة، والواعية، والواثقة بنفسها، والعميقة، والمتّزنة، والمحترمة، والرّصينة...  فهل أنتِ كذلك؟