أعظم خادم في التاريخ

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

قُبيْلَ ساعة الصلب الرهيبة، وقَبْلَ أن يذهب يسوع ليُتَمِم أعظم عمل في التاريخ، ائتزر بمنشفة وانحنى وغسَّل أرجل تلاميذه. لم ترضَ يداه الطاهرتان اللَّتان ستُدق بهما المسامير إلاَّ أن تتواضع وتغسل الأرجل التي ستُسرع بعد قليل بالهروب خوفًا من أن تلقى مصير سيدها نفسه.

ها الذي أخلى نفسه أخِذًا صورة عبد يضطلع بالمُهمَّة التي اعتبرت الأقل شأنًا في ذلك الزمن. ها هو المـُعَلِّم يلقّن درسه الأخير الذي توجّب على التلاميذ أن يتعلَّموه ويُطبِّقوه. كانت العادة أن تُغسَل الأرجل قبل بدء العشاء، لكن هذه المرة جلسوا ولم يَقُم أحد بهذه المهمة. قد يكون كبرياء التلاميذ قد بلغ ذروته فمنعهم من أدائها. من هو الأعظم بينهم: أهو من يَخْدِم أو من يُخْدَم؟

قال يسوع بوضوح أن العظمة تَكمُن في الخدمة والتضحية والبذل، وما من أمر يدفع بهذه الخدمة الى هذا المستوى إلاَّ المحبة. قالها بوضوح، كما فعلتُ أنا افعلوا، وكما أحببتكم أحبوا بعضكم بعضًا. ولم يُثنه درب الجلجثة وضعُف التلاميذ عن هذا العمل المتواضع البسيط.

يدّعي الكثيرون أنهم في خدمة الناس، لكنهم يتصارعون، وفي الواقع، على السلطة والمركز والمال. الجميع في خدمة الشعب! الرئيس والزعيم والنائب والمحترم، جميعهم في خدمة الشعب. الجندي الباسل في الخدمة والموظف المـُرتشي أيضًا، ويا للعجب، في الخدمة هو الآخر. إلى درجة أن القول المأثور الذي يردِّده حتّى التاجر الفاسد هو: "أنا في خدمتك". يظنُّون أن الخدمةَ عنوانٌ وشعار لا أكثر، وأن العظمة هي في الشُهرة وفي الجلوس في المـُتكأ الأول.

المـُضحك هو اصرار الجميع على أنهم في خدمة الجميع، ويبقى غسل الأرجل، أو ما يُشبهه من ممارسات ظاهريَّة شكليَّة، مُهمّة للدعاية والتسويق ليس إلاّ. لذلك نرى البعض يلقون الضوء على خَدَمَاتِهم و"أعمالهم الحَسَنة" والمتواضعة الشكل ليَكسَبوا سُمعة أفضل ويَظهَروا بصورة راقية تُشبع غُرورهم  وكِبريائهم، وتُعَبِّد طريقهم نحو حِلم السيادة. ويُكرِّمون آخرين في العلن طمعاً في أن يُكرَّمهم المـُشاهدون. ولا يُساعدون ويُطعِمون ويخدِمون إلا لامتلاك السلطة. ينجحون في أعين الناس ونفوسهم، لكنّهم يسقطون في موازين الله.

وليس ما فعله يسوع مسرحيَّة أو استعراضًا كما يفعل هؤلاء المـُدّعون المـُتموّلون، بل خدمة حقيقيَّة بدافع الحب الكبير الخاص لمن اختارهم كي يكونوا تلاميذه. كان متيقناً من أنه سيغادرهم ومن أنهم سيحتاجون إلى من يستمر في غسل أرجلهم، خصوصًا في غيابه.

ليس التواضع هنا هو الدرس الوحيد، بل ثمَّة درس مهم آخر يكمن في أهميَّة خدمة الآخرين بدافع من المحبة الصادقة والخالية من أي دوافع خَفيَّة. وعندما يكون دافع الخدمة هو المحبة فقط، تنعدم المصلحة والأهداف الشخصيَّة والنفسيَّة. وحدها المحبة تستطيع أن تتواضع وتَتَنَازَل وتُضحّي بصدق. فدافع المحبة هو دافع الخدمة نيابةً عن يسوع، ودافع لخدمةِ مَن أحبّهم يسوع ومات من أجلهم. إنّها خدمة بلا مقابل لا تهدف إلى مجد الذات بل إلى مجد الله وحده. إنّها الخدمة إلى جانب أعظم خادم عرفه التاريخ.

AddToAny