أنا لاهوتيّ لا أومن...

الموضوع:
العدد:
السنة:

في مرةّ سابقة حكيت عن المسيحيّ الذي لا يؤمن بقِيَم المسيحيّة. وهذا لا يتورّع عن التصريح: أنا مسيحيّ لا أومن بكذا أو كذا من مُسلّمات الإيمان المسيحيّ العقائديّ أو الأخلاقيّ. وحال ذلك الانسان حال الجاهل الّذي قد يُعذَر لجهالته! أمّا اليوم فيُشغِل بالي، بعض من خرّيجيّ معاهد اللاهوت من علمانيّين أو مِمّن صاروا رجال (ونساء) دين. كم نسمع البعض، وصاروا كثيرين، من هؤلاء في أيّامنا يُصرّحون: "أنا لا أومن"... بدل أن يقولوا: "أنا أومن". فهؤلاء كأنّهم لم يعرفوا أنّ اعترافات الايمان المسيحيّة تُبنى على التصريح والاقرار الإيجابي بما نؤمن وليس بما لا نؤمن به. والهدف من تصاريح الايمان تقديم الإيمان المسيحيّ المستقيم والدفاع عنه في وجه المشككّين والهراطقة والبعيدين عنه. ونسمع هؤلاء "اللاهوتيّين" يُصرّحون بثقة: "أنا لا أومن بالكتاب المقدّس ككلمة الله المعصومة.. وأنا لا أومن بالملائكة... وأنا لا أومن بوجود الشيطان ولا بالأرواح الشريرة... وأنا لا أومن بالقيامة... وأنا لا أومن بعجائب يسوع التي حرّر بها الناس من الأبالسة... وأنا لا أومن بجهنّم وبنارها... وأنا لا أومن بالسماء كمقرّ... وأنا لا أومن بالولادة الثانية كاختبار حقيقيّ... وأنا لا أومن بالتبشير الّذي ولّى عصره... وأنا لا أومن بأن المسيح سيأتي ثانية... وأنا لا أومن ... ولا أومن..." وتطول اللائحة التي لا يؤمنون بها.

ما أمر هؤلاء؟ كيف وصلوا لهذه الاستنتاجات؟ ولماذا يُصرّون أن يبقوا في مواقعهم في قيادة الرأي والكنيسة ومعاهد اللاهوت وهم لا يؤمنون بحقائق لطالما اعتُبِرت من أساسيّات الايمان المسيحيّ؟ الأعجب بالموضوع أنّ هؤلاء اللاهوتييّن ينتفضون إن سُئلوا عمّا يؤمنون به، أو إن اعترض أحد ما على عدم إيمانهم ودعاهم للرجوع عنه. فهم على الرغم من إصرارهم على عدم الايمان بما عرضته الكتب المقدّسة وبما آمنت به الأجيال، لا يقبلون أن يُصنَّفوا إلاّ من ضمن أهل الخطّ القويم والأساسيّ.

ولفهم ظاهرة هؤلاء اللاهوتيّين لا بدّ من مراجعة تاريخ الفكر اللاهوتيّ المعاصر وتحوّلات مدارس اللاهوت في أوروبا ابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أمّا تلك المدارس التي اجتاحتها أفكار غريبة عجيبة بُنيَت بمجملها على عدم الايمان بإله فائق للطبيعة، فقد جعلت منتوجها، أيّ طالب اللاهوت نفسه، عليل الايمان. وخرج هؤلاء الخرّيجون إلى الرعايا والمعاهد والمؤسّسات الارساليّة والتربويّة والاعلاميّة يبثّون "ما لا يؤمنون به" ليصير قاعدة إيمان المؤمنين. أمّا هاجسهم فهو أن يُقارعوا خرّيجي مدارس العلوم الاجتماعيّة والفلسفيّة وأن يظهروا كعلماء فهيمين متعالين عن سخافة إيمان البسطاء. لا همّ عندهم بعدها إن ابتعد الناس عن الايمان بإله قدير رحوم وما عادوا يؤمنون بكلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد أو فرغت الكنائس حتّى! فالأهم بالنسبة لهؤلاء اللاهوتيّين، هو أن يبقوا في مواقعهم القياديّة، وتبقى القبّة الإكليركيّة على رقابهم، ويُناديهم الناس بكلّ ألقاب الاحترام، وأن تبقى مداخيلهم قائمة. وطالما لم يقُم من يُحاسبهم على ما لا يؤمنون به، ولا على دورهم في نشره، سيستمرّون في إشاعة عدم الايمان. الآن أفهم معنى ما قاله يسوع عن علامات آخر الأيّام: "وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ، أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟" (لوقا 18: 8)