أنا مسيحيّ لا أومن...

الموضوع:
العدد:
السنة:

"أنا مسيحيّ لا أومن بالمؤسّسة الزّوجيّة، وأفضّل العلاقات الحرّة بين الرّجال والنّساء". هذا تصريح لإعلاميّ مشهور لصحيفة لبنانيّة. عجيب أمر هذا التّصريح! لا بل عجيب أمر هذا المسيحيّ! فمن المتعارف عليه أنّ المسيحيّ عندما يبدأ بعبارة "أنا أومن" يُعلِن التزامه العلنيّ بكلمة الله، أو عندما يقول: "أنا مسيحيّ لا أومن" فهو يؤكّد رفضه لما يتناقض مع الوحي الإلهيّ.

في المسيحيّة، لا "اعتراف إيمان" Confession of Faith لا يتوافق مع تعليم المسيح. علّم الرّبّ يسوع أنّ الزواج مُقدّس بين رجل واحد وامرأة واحدة. فكان بالأحرى لِمَن لا يتبنّى هذا التّعليم أن يقول: "أنا لست مسيحيًّا، ولا ألتزم بتعليم المسيح لناحية الزّواج، وأُفضّل عليه الانفلات الجنسيّ!" عجيب أمر النّاس حقًّا! فذاك أيضًا عرّاف يتباهى على شاشة التّلفاز بكونه "مسيحيًّا مؤمنًا ومُمارسًا" للطّقوس في الكنيسة، يُشجّع النّاس على الصّلاة إلى الله والاتّكال عليه، وطبعًا الاتّصال به لمعرفة طالعهم!

ما أمر هذه المسيحيّة، وما أمر اعترافات الإيمان هذه؟ إنّها لا تتوافق مع التّعليم الصّريح لكلمة الله، بل تُعارضه بوضوح. ألم يكن حريّ بهؤلاء أن يكونوا صادقين مع أنفسهم والنّاس، ويعتمدوا خطاب نظرائهم في الغرب الّذين يعترفون بأنّهم ليسوا مسيحيّين ولا يؤمنون بالزّواج ولا بقداسة الحياة، ويتّكلون على العرافة بدلاً من إرشاد الله للحياة؟ أمّا جماعتنا، في هذه البلاد الطّائفيّة، فيظنّون أنّهم مسيحيّون لمجرّد ولادتهم في "العشيرة المسيحيّة"، ويستخدمون خطابًا تضليليًّا، وليس مَن يُسائلهم أو يُحاسبهم. في المقابل، لا تُمارس الكنائس تنقية العضويّة والتّأديب الكنسيّ على أساس ما لا يؤمن به أتباعها. وهكذا، يبدو الجميع مرتاحًا للوضع الطّائفيّ ويجد فيه حصانة وملجأً يضمّ المؤمنين والإسخريوطيّين والهراطقة والملحِدين والمستهزئين جنبًا إلى جنب.

"أنا لا أومن"، عبارة لازمت الملحدين في عصر الإلحاد الشّيوعيّ والمادّيّ، أمّا الآن فتلازم المسيحيّين اللّبراليّين المتمسّكين باسم المسيح من دون تعاليمه. وإلى مَن لا يعرف مَن هم هؤلاء، أو مَن هو من خارج "العشيرة المسيحيّة"، لا بدّ من التّذكير أنّه لا يُمكن لأحد أن يُدعى مسيحيًّا طالما لم يؤمن بكلام المسيح ويتمسّك به ليعمله. قد يكون خيار الدّولة العلمانيّة-المدنيّة أفضل خيار ليتحرّر اسم المسيح، ويرتاح مِمّن يجلبون العار عليه. مَن يزور البلاد العلمانيّة قد ينزعج لعدم تديّنها، لكنّه لن ينزعج حتمًا لوجود مُرائين ومُستغلّين لاسم المسيح فيها. هناك، لن يدّعي أحد بأنّه مسيحيّ طالما لا يقدر على أن يقول: "أنا مسيحيّ أومن بما علّمه المسيح وألتزم به".

"أنا أومن" تستدعي مراجعة منظومة الإيمان الّتي يحملها صاحب التّصريح، ليرى حقًّا ما يؤمن به وما يرفضه، ليعود بعدها إلى تحديد اعترافه وموقعه. هذا هو دور قوانين أو اعترافات الإيمان في الأساس. "أنا أومن" في المسيحيّة الحقّة تتعارض بشدّة مع "أنا لا أومن" الّتي قالها ذاك الإعلاميّ المشهور. وتتماشى "أنا أومن" مع "أنا لا أومن" عندما تُستخدمان لتوضيح ما يؤمن به المعترف، وللتّأكيد على رفض ما يُعارض إيمانه. كأن يقول: "أنا أومن بالزّواج ولا أومن بالمعاشرات الجنسيّة خارجه"، أو أن يقول: "أنا أومن بسيادة الله وحكمته ولا أومن بالعرافة". وتكون للمتكلّم مصداقية أكبر، عندما يربط العبارة المقدّسة: "أنا أومن" بالعبارة النبيلة: "وأنا ألتزم بجميع ما أعلنه الله في كتابه".

متى يتوقّف غير المؤمن عن استخدام عبارة "أنا مسيحيّ لا أومن" ليقول: "أنا لست مسيحيًّا ولا أومن بالمسيح وبتعاليمه"؟ يتوقّف عندما لا يعامله أحد على أساس أنّه مسيحيّ.