أنتم فخر أمّتنا

الموضوع:
العدد:
السنة:

يُحاول أهل الفكر في لبنان جاهدين أن يعيدوا الكتاب إلى أيدي الذين خلقَهُم الله بعقول تسكنها الأحرف والكلمات والأفكار. أما المطالعة فتخلق فرحًا عميقًا في روح الإنسان وتُنير عقله وتُساهم في تجويد اختبارِه الانساني. هالني ما سمعته حول تردّي القراءة في العالم العربي الذي يقرأ إنسانه أحد عشر سطرًا في العام بينما يقرأ الأميركي أحد عشر كتابًا! هل هو عصر الإنترنت والهاتف الذكي والتلفزيون والفن الهابطِ في شرقِنا الذي قتل الكتاب والقارئ والثقافة؟ لا إنه عصر الجهل يعترِشُ فوقنا من جديد. وقد تكون مفيدة دراسة الرابط السرّي بين موت المطالعة والتخلّف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في محيطنا. يقول الروائي الأميركي راي برادبوري: "أنت لست بحاجة لتحرق الكتب لتُدمّر حضارة أو ثقافة ما، فقط اجعل الشعب يتوقّف عن قراءتها".

نهضتنا كانت بفضل روّاد الكلمة الذين استلّوا القلم وأفرغوا ومضات الفكر وعصارته حبرًا على ورق، امتشقَهُ قرّاء الكتب والمجلات ففاضت حياة نابضة في عروقِ مجتمعنا. نحن نُكرّم الكتّاب ونُحيطهم بهالة الإكبار، وهذا حقهم علينا، أمّا اليوم في زمن تخبو القراءة وتندثر، ويفتخر الحاكم بحجم ثروته، ويتباهى الرجل ببهاء سيارته، وتُفتن المرأة بتجميل طلعتها، فيما الأولاد يسبيهم عالم الألعاب الافتراضية... في هذا العصر أكثر ما نحتاج إليه هو تكريم القارئ. وللقرّاء نقول: وأنتم أيضًا فخر أمّتنا. وأنا أؤيّد ما قاله الشاعر حبيب يونس: "أن ديوانًا لعبقري شعر يرفع صرحًا من الذوق والجمال في النفس، أعلى بكثير من مبنى ضخم أو برج أو جسر، ويقصر المسافة بين العقل والخيال، وبين المعرفة والإحساس، فيكون إنسان الوطن أرفع شأنًا من كل صروحه".

علينا اليوم لا أن نُكرّم الكتّاب وحسب بل أن نُكرّم أيضًا القرّاء الذين من أجلهم كُتبت الكتب وما زالوا يحترمونها احترامَهم لعقولهم. هؤلاء المثقفون يُقبلون على نهلِ ما في مَعينِ الأَسفار بشغف ليُغنوا حياتهم فتصير بدورها خوابي فكر وقِيَم وحبّ وحقّ تُجمّل الحياة الانسانية وتغنيها، على ما قال السيد المسيح: "كل كاتب متعلّم في ملكوت السماوات يُشبه رجلا ربّ بيت يُخرج من كنزِ جددًا وعتقاء". وكلّما غاص مُحبّ الكلمة في يمّها، تواضع وسمح لما يقرأُه بتغيير ما في نفسه وفكره، فيرفعُه فوق ما هو عليه فيعلو قدرًا ويسمو مقامًا ويُحلّقُ فوق القِممِ. القارئ تستيقظ فيه أفكار تنقله إلى فضاءات الاستنارَة المحيية التي معها تسقط البوالي وتُنعَشُ الذاكرة ولا يقهرها الكذب ويغلب الفهم ولا يعطبُه الغباء. القراءة تُحدث عجيبة في داخل الانسان فتُغيّر فكرَه وطبعَه واختبارَه ونظرتَه إلى الحياة وللآخرين. هنا بين دفتي الكتاب القيّم يسكن العلم ويُشحذ الذكاء وتختبر سعادة العقل وينقى التواصل مع عقول الآخرين ويتقدّم حال بلادنا. ويفيدنا أن نتذكر ما قاله الاستاذ سعيد عقل: "لا وطنَ يبنى ويدوم، ولا أمةَ تنهض وتشرق، ولا شعب يفعل ويتقدم، إلَّا بالثقافة". وعلى أملِ نهوض أمتنا نصرخ في هذا اليوم: عشتم أيُّها المثقفون. عاش الكتاب. عاش لبنان.

كلمة مُقرّر لجنة تحكيم جائزة المطالعة التي اطلقتها اللجنة الوطنية لليونسكو في قصر اليونسكو في بيروت في 29 نيسان 2014