أهداف التربية المسيحيّة

الموضوع:
العدد:
السنة:

"يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ" (غل 4: 19).

يُخاطب بولس المؤمنين كأولاده. يحكي لهم هنا عمّا فعله في حياتهم ويكشف عمّا أراده من تربيتهم. يقول أن ليس الهدف من هذه التربية ايصال المعرفة لهم كمتلقنين، ولا حتّى تدريب أذهانهم ليُفكّروا بطريقة سليمة، بل مساعدتهم ليتغيّروا. صحيح ان مهمّة البشارة بالانجيل بحدّ ذاتها مهمّة للغاية. وكذلك ضرورية جدّاً مساعدة الانسان ليفتكر بطريقة سليمة فيقبل الاعلان الإلهي. وبولس قد فعل هذا كله. إلاّ أن هدفه الأسمى تمثّل في أن يتصوّر فيهم المسيح.

يتطلّب هذا الهدف جهدًا كبيرًا وآلامًا مُبرحة تتساوى مع آلام المخاض أو تزيد عنها. فالناس لا يقبلون التغيير بسهولة. وهكذا تعب بولس مع الذين علّمهم وترفّق بهم كما تترفّق الأم بأولادها. (1تس 2: 7-8). الأم تتمخّض مرارًا وتكرارًا في سياق حياة طفلها وليس عند الولادة وحسب. إذ يرافقها مخاض أطول وطفلُها ينمو ويكبر ويتقدّم. وتفرح إن وجدت في النهاية أن تعبها لم يذهب سدى. "اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ، وَلَكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ، لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ." (يو 16: 21).

يُعطينا بولس درسًا في التربية يحثّنا فيه على أن نصبو إلى أعلى مستوى. فلا نقبل بالقليل. ولا نقبل بتقدّم بسيط في حياة المؤمنين الجدد. قد يصعب هذا على من يتحمّل مسؤوليّة التربية، كما قد لا يتقبّله بعض التلاميذ. لكن الأب المخلص والمربّي الصالح لا يقبل بأقل من هذا الهدف. تكاد التربية تخلو اليوم من الاهداف عالية. إلى حدّ أنّنا نسأل عن هدف المعاهد اللاهوتية؟ ولماذا تفتح الكنائس أبوابها؟ لماذا تكرز بالمسيح، إن كانت تفعل ذلك؟ وهل يتعب المؤمنون في درس شخصية المسيح وأعماله وتعاليمه؟ وما الهدف من دراستهم إن فعلوا؟ إن كانوا يصْبون إلى أقلّ من أن يتصوّر المسيح فيهم، فقد أخطأوا الهدف وأخطأوا بحق أنفسهم.

ولا يمكن أن يتصوّر المسيح في المستفيدين من التربية المسيحيّة، أي متلقّي خدمة الكلمة، إلا إذا سَكَنَ فيهم روح المسيح (رو 8: 9) وملأهم فكر المسيح (1كو 2: 16) وعاش فيهم شخص المسيح (رو 8: 10). من تصوّر المسيح فيه قارب الكمال في حياته. لا بل صار كاملاً في المسيح يسوع (كو 1: 27-28). لا تتحقّق أهداف التربية المسيحيّة إلاّ إذا تصوّر المسيح في المؤمنين فصاروا يُشابهونه (رو 8: 29). أيّامنا سيئة لأن قليلين ينخرطون في تربية مسيحيّة هادفة، وأسوأ لأن المسيح يتصور في الأقل منهم.