أولريخ زوينغلي (1484-1531)

الكاتب:
العدد:
السنة:

يُعتبر "أولريخ زوينغلي" أحد أهمّ قادة الإصلاح الإنجيليّ إلى جانب "لوثر" و "كالفن".  وُلِد في "ويدهاوس"، "سان غال"، في سويسرا، وأظهر بشائر مبكرة تعِد بنجاحات مستقبليّة في مجالي العلم والثّقاقة.  تلقّى علومه في "بيرن" و "فيينّا" ثمّ التحق بجامعة "بازل"، حيث انكبّ على دراسة العلوم الإنسانيّة.  وتأثّر بالمُصلِح "توماس ويتنباخ" الّذي رعاه ووجّههُ نحو الإيمان بسلطان الكتاب المقدّس المُطلَق والوحيد، وبالخلاص بالنّعمة، وبالإيمان بيسوع المسيح وحده.

رُسم "زوينغلي" كاهناً كاثوليكيّاً وخدم أبناء الأبرشيّة في "غلاروس" (1506-1516)، وفي "إنسيدلن" (1516-1518) الّتي كانت مركزاً للحجّاج، وهناك بدأ يواجه نظام بيع صكوك الغفران.  إلى أن دُعيَ ليكون كاهناً للشّعب، حيث راح يُلقي المواعظ الدّينيّة في كاتدرائيّة "زوريخ" الكبرى في أوائل عام 1519.

في العام 1516، استعار "زوينغلي" إحدى نسخ العهد الجديد اليونانيّة الّتي أبرزها "إيراسموس"، ونسخها لتكون خاصّته، ثمّ راح يدرسها بتعمّق.  وأظهر "زوينغلي" تقدّماً ملحوظاً في المعارف الكتابيّة، وبخاصّة عند تفسير رسائل بولس الرّسول والموعظة على الجبل.  واستخدم في التّفسير فلسفة أفلاطون، مُشدّداً على الجوانب الأخلاقيّة للإيمان المسيحيّ.  وبعد مصارعة طويلة في معالجة مسألة المذهب الحسّيّ المبنيّ على الافتراضات المحتَمَلَة، غير المثبّتة ببراهين كتابيّة، صار أشدّ إخلاصاً للكتاب المقدّس.  وفي العام 1518، تبنّى موقفاً مُعادياً لنظام القرون الوسطى، المتعلّق بالذّخائر و العمل التّكفيريّ الّذي يفرض عقوبات ذاتيّة يُنزِلها الآثم بنفسه تعبيراً عن توبته. وكان لانتشار الطّاعون عام 1519 ولاطّلاعه على أفكار "لوثر" الّلاهوتيّة أثرهما في اقتياده إلى اختبار التّجديد بالرّوح القدس.

بدأت ملامح الإصلاح في "زوريخ" تظهر في بدايات العام 1519، عندما أعلن "زوينغلي" تصميمه على تفسير الكتاب المقدّس في عظاته مبتدئاً من إنجيل متّى.  وفي العام 1522 قرّرت سلطات زوريخ عقد مناظرة عامّة يواجه فيها "زوينغلي" جمهور الحاضرين، وبعدها تُقرِّر السّلطات المُنتَخَبَة المذهب الدّيني الذّي سوف تعتنقه المدينة والمقاطعة.  أعدّ "زوينغلي" وثيقة البنود السّبعة والسّتّين الّتي أكّد فيها الخلاص بالإيمان، وسلطان الكتاب المقدّس، ورئاسة المسيح للكنيسة، وأدان  الممارسات غير الكتابيّة في كنيسة روما؛ ففاز "زوينغلي" بالمناظرة، وأُعطيت أفكاره الوضع القانونيّ الّلازم لإقرارها.  وهكذا، بدأ الإصلاح في مقاطعات سويسرا الشّماليّة بقرارات حكوميّة بعد مناظرة قُدّمت فيها الآراء المختلفة.  وفي عام 1525 أكمل "زوينغلي" الإصلاح في "زوريخ"، ليحين بعدها دور مدينة "برن"، الّتي اتّجهت أيضاً نحو الإصلاح بعد مناظرة اشترك فيها "زوينغلي"، مُقدِّماً فيها وثيقة اسمها "الأطروحات العشر"، الّتي انتهت في العام 1528 بقبول مبادئ الإصلاح.  بعدها ابتدأ "زوينغلي" بكتابة العديد من الكرّاسات، كما ساعد على تأليف الاعترافات (قوانين الإيمان) ليعزّز انتشار الإيمان المُصلَح.

وفي خريف 1529، التقى "زوينغلي" مع المُصلِح الألمانيّ "مارتن لوثر" في "ماربورج"، فاتّفقا حول أربع عشرة نقطة من نقاط البحث الخمس عشرة، واختلفا حول حلول المسيح في عناصر المناولة.  فقد قادته مناقشاته مع المصلِحين الألمان حول عشاء الرّبّ، إلى التّشكيك في ما قاله "لوثر" عن حضور مادّي حقيقيّ للمسيح في عناصر مائدة الرّبّ، أي الخبز والكأس.  كما شكّك أيضاً في اعتقاد "مارتن بيوسر"، الّذي قال بحضور روحيّ حقيقيّ للمسيح.  وأصرّ "زوينغلي" على كون عشاء الرّبّ تذكاراً رمزيّاً وليس إعادةً لعمل الكفّارة، وعلى نَيل المؤمن بركة روحيّة عندما يتأمّل في موت المسيح من أجله ويتذكّره.  وقد عرض، في هذا السّبيل، البراهين والحجج ومضى يفنّدها من الكتاب المقدّس.

أمّا في ما يختصّ بالمعموديّة، فقد خالف "زوينغلي" الـ"أنّابابتيست" (جناح من المُصلِحين الرّاديكاليّين الّذين نادوا بإعادة المعموديّة للمؤمنين)، على الرّغم من العلاقة الطّيّبة الّتي كانت تربطه بهم في بادئ الأمر.  فهو كان يُنادي بالسّلطان المُطلَق للكتاب المقدّس ويتمسّك به، ولم يكن ليسمح بأن يتضمّن الدّين ما لا يمكن إثباته ببراهين كتابيّة واضحة ودقيقة.  إلاّ أنّه ارتبك عندما طلب منه الـ"أنابابتيست" نصوصاً كتابيّة تدعم ممارسته لمعموديّة الأطفال، ممّا قاده إلى الانفصال عنهم.

وفي ما يخصّ اللاهوت، كان "زوينغلي" جبريّاً، يؤمن بالقضاء الإلهيّ بشكلٍ قويّ، وذلك من دون أن يُظهِر فهماً كاملاً لارتباط الأفكار الكتابيّة الرّئيسة الّتي انطلق منها "كالفن" في مناقشته لموضوع الاختيار.  أمّا من ناحية العبادة، فقد أزال الأورغن من كاتدرائيّة "زوريخ" في العام 1527، اعتقاداً منه بأنّ العهد الجديد لا يسمح باستخدام الآلات الموسيقيّة في الكنائس، بينما يسمح بها في المناسبات الخاصّة. 

ولم يتردّد "زوينغلي" في تحقيق الإصلاح بدعمٍ من سلطة مجلس "زوريخ"، إذ إنّه آمن بأنّ السّلطة النّهائيّة تكمن في المجتمع المسيحيّ ككلّ، وهذه السّلطة العامّة تُمارَس عمليّاً من خلال حكومة مدنيّة مُنتَخَبة تُمارِس أعمالها على أساس سلطان الكتاب المقدّس.  واستمرّت حكومة مدينة "زوريخ"، حتّى بعد وفاته، في مُمارسة دور مهيمن في الشّؤون الكنسيّة.  هذا التّداخل بين الدّولة والكنيسة راق، فيما بعد، لملكة إنجلترا "إليزابث الأولى"، في حين كان المُصلِحان "كالفن" و "جون نوكس" يحارِبان من أجل تحقيق استقلاليّة الكنيسة وحصولها على حكمٍ ذاتيّ يتيح لها إدارة شؤونها الخاصّة.  إلاّ أنّ الحرب الّتي اشتعلت عام 1531، والّتي تزامنت مع فرض "زوينغلي" الإصلاح في بعض المقاطعات السويسريّة، ألزمته بالنّزول إلى أرض المعركة ليرعى جنوده، فقُتل، وخَلَفه "هاينريش بولينجر".   

لقد كان "زوينغلي" ذاك الرّجل النّبيل الّذي أرسى أساسات الإيمان المُصلَح في سويسرا الألمانيّة، وذاك القائد المثَقَّف الدّيمقراطيّ الّذي تميّز بإخلاصه الشّديد لسلطة الكتاب المقدّس، والتزامه المتين به، وعمله الدّؤوب على نشر الإصلاح الإنجيليّ، وهذا ما جعله قائداً مُصلِحاً بامتياز.  أمّا بروتستانتيّة "زوينغلي"، فقد اعتُبِرَت أكثر عقلانيّةً وأشدّ توافقاً مع الكتاب المقدّس من نظام "لوثر" الّلاهوتيّ.