أين يذهب الإنسان بعد الموت؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

إن مُجرّد الكلام على الحياة بعد الموت يدفع بعض النّاس إلى أن يستنكر قائلاً:  "مين راح ورجع خبّر؟  ومين بيعرف وين بروح الإنسان بعد الموت".  هذا الرأي الشائع يُسمّى باللا- أدرية Agnosticism أو "لا أدري، بالتالي لا أؤمن".   تقول هذه النظريّة إنّ الإنسان لا يعرف أين يذهب بعد موته.  بالحقيقة، لم يكن يوماً أصحاب هذا المذهب من الّذين يُطمئنون الآخرين عن المستقبل والمصير، لم يكونوا أبداً من الّذين يُركَن إليهم بأيّ نقاش علميّ أو لاهوتيّ جدّي ومُخلِص. 

وهناك من يستهزئ بفكرة استمراريّة الحياة بعد الموت، وهذا موقف الإلحاد الفاشل والضعيف أمام مبدأَيْ الإيمان والعلم على حدّ سواء؛ فالبراهين على أزليّة النّفس موجودة داخل الإنسان، وفي الإعلان الإلهيّ الّذي يدعمه الكثير من النبوّات المُتمّمة في التّاريخ، والّتي تجعل منه مرجعاً تاريخيّاً ولاهوتيّاً أهلاً للثقة.

وإن أخذنا الناحية العلميّة، نتأكّد من أنّه لا بُدّ من أنّ التّراب، الّذي يُكوّن الإنسان، يحتوي عنصراً أقوى منه يجعله يعيش ويحيا،  وهو عنصر خالد وأبديّ.  العلم يؤكّد أنّ هذا الإنسان تراب من دون الرّوح الخالدة الّتي فيه، كما أنّ دورة الحياة تؤكّد أنّ هذه الأخيرة تلي الموت.  ويتكلّم الوحي على الزّرع الّذي لا يحيا إن لم يمت (1 كو 15: 36).

أمّا إعلان الله في الكتاب المقدّس وفي شخص المسيح، فيؤكّد أنّ الإنسان له نفس خالدة وحياة أبديّة، وما قيامة المسيح واستعلانه ربّ الحياة إلاّ الدّليل على استمراريّة الحياة بعد الموت.  قال الرّبّ عن نفسه: "(أنا) الحيّ وكنتُ ميتاً وها أنا حيٌّ إلى أبد الآبدين ولي مفاتيح الهاوية والموت" (رؤ 1: 18).  ولنا في ظهور إيليّا وموسى (مر 9: 2- 4)، وقيامة لِعازَر (يو 11)، وابنة يايْرُس (متى 9: 24)، وابن أرملة نايين (لو 7: 11)، والعديد من الموتى الّذين قاموا يوم موت المسيح، براهين إضافيّة على حقيقة استمراريّة الحياة بعد الموت.

وإذ نودّع أحبّاءنا الّذين يُغادروننا إلى عالم الآخرة، نفتكر بالحقيقة الّتي أمامنا، وهي أنّه سيأتي اليوم الّذي نُحمَل فيه على الأكتاف إلى المدفن، ونسأل: إلى أين نذهب بعد الموت؟  هذا سؤال بغاية الأهميّة.  وكيف نستخفّ به ونحن نسأل دائماً عن مسار رحلة ما، إذ نودّ أن نعرف إلى أين نذهب وما هي المحطّات الّتي تلي؟  الكتاب المقدّس يؤكّد أنّ سفرة الحياة لا تنتهي في القبر، بل تُتابع بعده.  وبناء على تعليم كلمة الله نرى أنّ الإنسان بعد الموت يمرّ بمحطات عديدة، هي: 

 

 

أوّلاً: الرّوح إلى خارج الجسد

إنّ هذا الجسد، الّذي هو بيت أو خيمة أرضيّة لنفوسنا، سيأتي النّهار الّذي يُنقض فيه وتُعتق الرّوح الّتي تسكنه، لا محالة من ذلك (2 كو5: 1).  ولكي يمنع الرّبّ كلّ محاولة إفلات من الموت، جعل بذرته داخل كلّ واحد منّا، حتّى لا نتمكّن من الهرب منه، كما من أنفسنا.  وكما في الشجرة دودة تأكلها من الدّاخل، كذلك "دود الإنسان منه وفيه".

ما هي حياة الإنسان؟  إنّها بخار يظهر قليلاً ثمّ يضمحلّ (يع 4: 14).  قال طبيب مرّةً إنّه، وفي أثناء أخذ النّبض، سمع التّالي: أقرب إلى النّهاية، أقرب إلى النّهاية.  وكأنّ هناك عدداً من النّبضات، كلّما دقّت واحدة خسرناها، واقتربنا من لحظة الخروج من هذا الجسد ومن العالم.

نحنُ نسير باتّجاه واحد أكيد: هو اختبار الموت.  اختبارات الحياة كلّها يمكن أن نختبرها أو لا، ويمكن أن نختار منها أو لا؛ أمّا اختبار الموت، أي خروج الرّوح من الجسد، فهو الاختبار الوحيد المؤكّد الّذي لا يُمكننا الهرب منه.  حتّى إنّ المزمور 23 يتكلّم على حياتنا هنا بأنّها تسير في ظلّ الموت الدائم.  من المفيد أن نعرف أنّ 50 مليون شخص يموتون كلّ عام، حوالي 140.000 منهم يموتون كلّ يوم، و5.833 يموتون كلّ ساعة، و 97 كلّ دقيقة، أي حوالى 2 كلّ ثانية.

وهذا كلّه يصير برضى النّاس أو بعدمه، اعترفوا بالواقع أم لم يعترفوا.  أمّا المؤمن فيشتاق إلى أن يتخلّى عن هذا الجسد "ليلبس فوقه مسكنهُ السّماويّ الجديد" (2 كو 5: 2)، وهو واثق من أنّه عندما يتغرّب عن الجسد "يستوطن عند الرّب" (2 كو 5: 6). 

ثانياً:  الجسد إلى المدفن  

قرأنا في لوقا 16: 22: "ومات الغنيّ ودُفن".  كلّنا نُستودَع التّراب.  الأحبّاء يُرافقوننا إلى باب المدفن فقط، لنعبر بعدها إلى الضفّة الأخرى، كل واحد عن نفسه وبمفرده؛ فالرّحلة خارج الجسد شخصيّة وليست جماعيّة، وبعدها يتحلّل الجسد ويعود إلى التّراب.  هناك خسارة الجسد والانعتاق منه.  إنّ الثّياب، والبيوت، والوظائف، وأدوات الزينة، والغنى، والمفروشات، والصّيت الحسن، والاختبارات، والتّجارب، والخطايا، والأمراض والأوجاع، والزّواج، والأولاد والأصدقاء تخصّ الجسد، وهي بائدة.  قال أيّوب: "عُرياناً خَرَجتُ مِن بَطنِ أمّي، وعُرياناً أعودُ إلى هُناك" (أي 1: 21).  ويؤكّد بولس الرّسول: "لأنّنا لم ندخُلِ العالمَ بشيءٍ، وواضحٌ أنّنا لا نقدِرُ أن نخرُجَ منهُ بشيءٍ" (1 تي 6: 7).  لكن، ويا للأسف، كثيرون يظنّون أنّهم سيعيشون على الأرض إلى الأبد، من دون أن يختبروا الموت، كما أنّ كثيرين يظنّون أنّهم سيحتفظون بكلّ ما لهم. 

من المُفيد للإنسان أن يعترف بأنّه لن يبقى على الأرض إلى الأبد.  اعترف "نابليون بونابرت"، الإمبراطور العظيم بحتميّة زواله قائلاً: بأنّه سيموت قبل أوانه، وبأنّ قلبه سيوضع في الأرض، ليصير مأكلاً للدود.  هذا هو مصير "نابوليون" العظيم.  يا للمفارقة الكبيرة بين ما قاله "نابوليون" وما قاله أيّوب المملوء من الرّجاء: "أمّا أنا فقد عَلِمتُ أنَّ وَليِّي حَيٌّ، والآخِرَ على الأرضِ يَقوم، وبَعدَ أن يُفنَى جِلدي هذا، وبِدونِ جَسَدي أرى الله.  الّذي أراهُ أنا لِنَفسي، وعَينايَ تَنْظُرانِ وليسَ آخَر.  إلى ذلِكَ تَتوقُ كُليَتايَ في جَوْفي".          (أي 19: 25-27).

ثالثاً: الرّوح إلى الهاوية 

بعد الموت تذهب الرّوح إلى الهاوية، مستودَع الأرواح، حيث تبقى إلى يوم القيامة (لوقا 16: 19-31).  والهاوية قسمان: الهاوية العليا: المسمّاة حضن ابراهيم أو فردوساً، والهاوية السّفلى: المُسمّاة هاوية أو موضع العذاب أو الجحيم.  في كلا المكانين، الوجود حقيقيّ، والإنسان يكون واعياً، وذكرياته حاضرة، وذا إحساس؛ فيتعزّى أو يتعذّب، ولا تغيير في الموقع والحالة، ولا عبور من المكان الآخر وإليه.

(1)  تحمل الملائكة المؤمنين إلى الهاوية العليا (لو 16: 22)، وهي موضع تعزية وراحة وخيرات وأمان وضمان وشركة مع القدّيسين (لو 16: 25)، وشركة شخصيّة مع المسيح: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لوقا 23: 43)، حيث أفضل جدّاً من البقاء على الأرض (فيلبي 1: 23).

(2) في الهاوية السّفلى يتعذّب الإنسان في اللّهيب (لو16: 23،24)، وينتظر عذاباً أعظم، إذ لا فرصة للرّحمة بعدها (لو16: 24)، ولا مجال لعبور الهوّة المثبتة بين الهوّتين (لو 16: 26).  "الأشرار يرجعون إلى الهاوية. كلُّ الأمم النّاسون الله" (مز 9: 17).  ومن الهاوية السّفلى يقومون ليُدانوا.  ويُلقَون مُجدّداً في "جهنّم النّار الّتي لا تُطفأ" (مر 9: 45).

رابعاً: الأموات إلى القيامة 

القيامة حقيقة تاريخيّة لم تحدث بعد: "لا تتَعَجّبوا مِن هذا، فإنّهُ تأتي ساعَةٌ فيها يَسمَعُ جَميعُ الّذين في القبورِ صَوتَهُ، فيخرُجُ الّذينَ فَعَلوا الصّالِحاتِ إلى قِيامَةِ الحياةِ، والّذين عَمِلوا السّيِّئاتِ إلى قِيامَة الدَّينونَةِ" (يو 5: 28-29). 

في القيامة ترجع الرّوح إلى الجسد، وتتجمّع الأعضاء بعضها إلى بعض.  يصف حزقيال مشهد القيامة: "فتَقارَبَتِ العِظامُ كلُّ عَظْمٍ إلى عَظْمهِ.  ونَظَرتُ وإذا بالعَصَبِ واللَّحمِ كَساها، وبُسِطَ الجِلدُ عليها مِن فَوق، ولَيسَ فيها روحٌ ... فدَخَل فيهم الرّوحُ، فحَيُوا وقاموا على أقدامِهِم..." (حز 37: 7 –10).  وهكذا نرى أنّ القيامة هي قيامة الإنسان ككلّ: روحاً، ونفساً، وجسداً ليقف أمام الله. 

هذا الحدث هو كالنّهوض من النّوم، فالمسيح يعتبر أنّ أجساد الموتى ترقد وكأنّها نائمة.  قال يسوع: "فإنّ الصبيّة لم تمُت لكنّها نائمة.  فضَحِكوا عليه" (متى 9: 24)، كما أكّد أنّ: "لِعازَر حبيبنا قد نام" (يو 11: 11)، بينما هو كان "قد مات" (14).  كما يقول الكتاب المقدّس: "وكَثيرونَ مِن الرّاقِدينَ في تُرابِ الأرضِ يَستَيقِظون، هؤلاء إلى الحياةِ الأبَديَّةِ، وهؤلاء إلى العارِ للازدِراءِ الأبدِيّ.  والفاهِمونَ يُضيئونَ كضِيَاء الجَلَد، والّذينَ ردّوا كثيرينَ إلى البِرِّ كالكَواكِبِ إلى أبَدِ الدّهورِ" (دا 12: 2- 3).  استفانوس عند استشهاده، دعا الرّبّ قائلاً: "أيُّها الرّبُّ يسوعُ اقْبَل روحي.  ثمّ جثا على رُكْبَتَيهِ وصَرَخ بصَوتٍ عَظيمٍ: يا ربُّ، لا تُقِم لهم هذهِ الخَطيَّة.  وإذْ قالَ هذا رَقَدَ" أي مات (أع 7: 60).  يتكلّم بولس على "الّذين رَقَدوا في المسيح" (1 كو 15: 18)  بأنّهم سيقومون: "فإنّهُ سيُبوَّقُ، فيُقامُ الأمواتُ عديمي فَسادٍ، ونحنُ نَتغيَّر" (1 كو 15: 43-54)، ويقول: "هوَذا سِرٌّ أقولُه لكُم: لا نَرقُد كلُّنا، ولَكِنَّنا كلُّنا نَتغَيَّر" (1 كو 15: 51).

خامساً: المُقامون إلى الدّينونة 

كلّ النّاس سيمرّون بالدّينونة، كما يقول الكتاب المقدّس: "لأنّه قد وُضِعَ للنّاسِ أن يَموتوا مرَّةً ثُمّ بعدَ ذلِكَ الدّينونة"       (عب 9: 27).   

ومن صفات هذه الدّينونة:

أنّ المسيح فيها هو الديّان، وجميع النّاس سيقفون أمامه للدّينونة، إذ الله: "الآب لا يَدينُ أحَداً، بلْ قد أعطَى كلَّ الدّينونَةِ للابنِ" (يو 5: 22 و 27)، "هو المُعيَّنُ مِنَ الله ديّاناً للأحياءِ والأموات" (أع 10: 42)، وهو مُزمِعٌ أن يَدينَ المَسكونَةَ بالعَدْلِ بالمسيح (أع 17: 30-31)، وهذا ما اعترف به قانون الإيمان النّيقاوي: "ونؤمن بأنّه يأتي أيضاً ليدين الأحياء والأموات الّذي لا فناء لمُلكِهِ."

أنّ دينونة المسيح هي على أساس الإنجيل، كما يقول الرّسول بولس (رو2: 16)، وليس بحسب مفهومنا البشريّ.  هذا ما يؤكّده الرّبّ في مَثَل الغنيّ ولِعازر، حيث رأى أنّ الخلاص من موضع العذاب يصير عبر الإيمان بما كُتب في الأسفار المقدّسة             (لو16: 29)، والّذي من دونه لا نجاة من العقاب.  يقول النبيّ إشعياء:  "إلى الشّريعة وإلى الشّهادة.  إنْ لمْ يَقولوا مِثلَ هذا القَول فلَيسَ لهم فَجرٌ" (أش 8: 20). 

أنّ هذه الدّينونة ليست بحسب سجلاّتنا عن نفوسنا بل بحسب سجلاّته عنّا.  فمن المهمّ جدّاً أن يعرف الإنسان أنّ الله يدين النّاس، ليس بحسب روايتهم عن نفوسهم، بل بحسب ما هو مكتوب عنهم وعن أعمالهم في الأسفار (رؤيا 20: 12 و 15).  وهناك ستستيقظ الذاكرة بالتّمام، وستُمثَل الخطايا أمامنا من دون تحوير وتجميل وتبييض لصفحتها، وستشهد ضمائرنا وتشتكي ضدّنا محتجّة على الأيّام الخوالي الّتي عشناها مقاومين لصوت الضّمير ولإرادة الله (رومية 2: 15).  قال أحد الفلاسفة المسيحيّين المعاصرين: "الخطيّة هي أن نقول للرّب: "اذهب عنّي واتركني"، أمّا الدّينونة فهي أن يقول لنا الله: "ليَكُنْ لكَ ما تَشتَهي".

سادساً: أرواح الخطاة إلى الموت الثّاني

بسبب الخطيّة، يختبر الإنسان موْتَين: الموت الأوّل وهو موت الجسد، ومن ثمّ، وإن لم يكن مؤمناً برئيس الحياة، الموت الثّاني.  هذا لن يكون فناءً كلّيّاً كما يزعم بعضهم.  فالموت ليس بشارة بانتهاء المطاف، وإطفاء الأنوار، وإسدال السّتارة على ملفّات خطايانا الّتي تُقزّز النفس.  إنّ وصف المسيح للدّود الّذي لا يموت في جهنّم يُشير إلى كون النّفوس لن تموت أيضاً.  ونرى الغنيّ غير المؤمن في لوقا 16 يتعذّب في النارّ ويحسّ بعذاباته. 

الكتاب المقدّس يُعطينا العديد من الصّور الّتي تشرح لنا حالة الخطاة في الموت الأبديّ.  فهم سيكونون في موضع العذاب الأبديّ، في النيران المعدّة لإبليس وملائكته (متى 25: 46).  أمّا المكان الّذي يذهب إليه الأشرار فيُدعى بعدّة أسماء، منها: "الظّلمة الخارجيّة حيثُ البكاءُ وصَريرُ الأسنان" (متى 8: 12)، أو بئر الهاوية (رؤيا 9: 1 – 2، 11) حيث لا راحة (رؤيا 14: 10 –11) وحيث ينزل غضب الله (رو 2: 5)، فيُعاقب سُكّانه بهلاك أبديّ بعيداً عن وجه الله (2 تس 1: 9).  أمّا فكرة المطهَر، أو الفرصة الثّانية أو المسامحة الأبديّة، فهذه كلّها غير موجودة في الكتاب المقدّس.  يُقدّم العهد الجديد لائحة بالّذين سيختبرون الموت الثّاني تُشكّل إنذاراً لكثيرين: "وأمّا الخائِفونَ (الّذين لم يؤمنوا بسبب خوفهم) وغَيرُ المؤمِنينَ والرَّجِسونَ والقاتِلونَ والزُّناةُ والسَّحَرةُ وعَبَدةُ الأوثانِ وجميعُ الكَذَبةِ، فنَصيبُهُم في البُحَيرَةِ المتَّقِدَةِ بِنارٍ وكِبريتٍ، الّذي هوَ الموتُ الثّاني" (رؤيا 21: 8).  لكنّ الّذين يحيَون بالمسيح ويموتون فيه، فمَصيرهم مختلف.

سابعاً:  الأبرار إلى الحياة الأبديّة

جاء المسيح ليُخلّص العالم، إذ ليست مشيئة الله أن يَهلِك أحد، بلْ يُريد: "أنّ جميعَ النّاس يَخلُصون وإلى مَعرِفَة الحقِّ يُقبِلون".  هذا صحيح، لكنّ الخلاص يتمّ قبل الموت وليس بعده.  ومع أنّ المسيح هو الشّفيع الوحيد، إلاّ أنّ شفاعته لا تعمل بعد وفاة الإنسان، إذ في تلك اللّحظة يذهب من سَبَق وقبِلَ شفاعة المسيح إلى الحياة الأبديّة، ويهلك من سَبَق له ورفض خلاص المسيح.

ويبقى أنّ الإيمان بالمسيح هو شرط أساسيّ ونهائيّ للحياة الأبديّة.  أمّا هذا الإيمان فيجب أن يكون إيماناً بالمسيح وحده من دون أيّ شريك معه، فيه يُسلِّم الإنسان نفسه للفادي والمخلّص تسليماً كاملاً.  وهذا ما تؤكّده صفحات العهد الجديد بكلّ وضوح، إذ نرى أنّ الله قد "أحبَّ العالم حتّى بَذَلَ ابنَهُ الوَحيد، لِكَي لا يَهلِكَ كلُّ مَنْ يُؤمِنُ بِهِ، بلْ تَكونُ له الحياةُ الأبديَّة (يو 3: 16).  وبالتالي، فإنّ: "الّذي يُؤمنُ بالاِبنِ لهُ حياةٌ أبديَّةٌ، والّذي لا يُؤمِنُ بالاِبنِ لنْ يَرى حياةً بلْ يَمكُثُ عليه غَضَبُ الله" (يو 3: 36).  قال المسيح: "الحقَّ الحقَّ أقولُ لكُم: مَنْ يُؤمِن بي فَلَهُ حياةٌ أبديَّةٌ" (يو 6: 47).  قال يسوع لمرثا: "سيَقومُ أخوكِ.  قالَت لهُ مرثا: أنا أعلَمُ أنّه سيَقومُ في القِيامَة، في اليَومِ الأخير.  قالَ لها يسوع: أنا هوَ القِيامَةُ والحياةُ. مَنْ آمَنَ بي ولَو ماتَ فسيَحيا، وكلُّ مَنْ كانَ حيّاً وآمنَ بي فَلَنْ يَموتَ إلى الأبَد" (يو 11: 23-26).  يَنظر إلى الموت بفرحٍ كلّ من يتأكّد من أنّ المسيح قد محا له خطاياه ووعده بالقيامة في اليوم الأخير (يو 6: 40).

ثامناً: الأحياء الى حضرة الله

سيتمتّع المُقامون الأبرار بحضرة الله الّتي كانت من ضمن مشيئته منذ البداية، يوم خلق آدم وحوّاء وأرادهما أن يكونا في شركة معه.  وسيتمتّع هؤلاء بحياتهم الأبديّة في حضرة الله.  لن تكون هذه الحياة مُملّة كما يُصوّرها بعضهم، بل هي حياة مليئة بالبركات.  فهناك، بالقرب من الله، ستصير لنا معرفة كاملة في كلّ الأمور (1كو 13: 9–12)، وسنُشابه المسيح لأنّنا سنراه كما هو (1يو3: 2).  هناك لن نقع في تجربة ولن تؤلمنا خطيّة، لأنّ إبليس سيكون بعيداً عن أرواح الأبرار، وغير قادر على أن يُجرّبهم (رؤيا 20: 10).  كما ستكون أرض تعزية إذ لا حزن ولا مرض ولا دموع فيها (رؤيا 21: 3-4).   هناك ستكون الحياة مُريحة للغاية في "أرض الرّاحة"   (عب 3: 11، 18؛ عب 4: 9–11).  وسيُتاح لجموع المخلّصين في السّماء أن يُشكّلوا أجواقاً تضمّ الصّغار والكبار، تتجاوب مع دعوة العرش السّماويّ إلى التّسبيح والتّهليل والتّمجيد، قائلين: "هلّلويا! الخلاصُ والمجدُ والكرامةُ للرّبِّ إلهنا ... فإنّه قد مَلَكَ الرّبُّ الإلهُ القادِرُ على كلِّ شيء" (رؤ19: 1- 6).  وهناك ستتاح لهم الفرصة الكاملة للقيام بأعمال الخدمة لإلههم "وعبيده يخدمونه" (رؤ22: 3) من دون أن ينشغلوا عن التأمّل بحبيبهم السّماويّ، إذ "سينظرون وجههُ" إلى الأبد (رؤيا 22: 4)، وسيتمتّعون بشركة طيّبة مع المؤمنين الآخرين (عب 12: 23)، بالإضافة إلى الأكاليل والميراث السّماويّ الّذي يهبه الله في ذلك اليوم لأولاده (1بط 1: 4؛  2كو 5: 10).

نصيحة للإنسان المائت

أيّامنا على الأرض بائدة، فلا نفتكرنّ أنّنا باقون على قيد الحياة إلى الأبد.  لذلك، يجب ألاّ نُضحّي بالحياة الأبديّة بسبب الحياة الفانية.  لنَقُل مع النبي موسى: "إحصاءَ أيّامنا هكذا علّمنا فنؤتى قلبَ حِكمَةٍ" (مز 90: 12)، فننتبه إلى أنّ القرارات الّتي نأخذها في هذه الحياة هي الّتي تُقرّر حالتنا الأبديّة المستقبليّة. 

عاش "بيتر والدو" في "ليون"، وكان إنساناً مُستهتراً.  وفي ليلة من ليالي 1170 م، وبينما كان يجلس في حانة يتسامر فيها ويلهو مع أهل السّوق، هوى شخص يجلس بقربه على الطّاولة، ومات؛ الأمر الّذي أخاف "بيتر والدو" ودفعه إلى أن يذهب ويبحث عن الإنجيل، ويقبل المسيح مُخلّصاً شخصيّاً لحياته.  ونحن ماذا ننتظر لنُرضي إلهنا قبل أن توافينا لحظة الموت (2 كو 5: 9).

من الواضح جدّاً، في الكتاب المقدّس، أنّ الله لا يُريد إهلاك الناس، بل التّأنّي عليهم. وهو "لا يشاءُ أن يَهلِكَ أُناسٌ، بلْ أنْ يُقبِلَ الجميعُ إلى التّوبَةِ" (2 بط 3: 9).  هنا عليّ أن أسأل نفسي: إلى  أين أُريد أن أذهب بعد الموت؟  هل أدخل من الباب الضيّق إلى المسيح فتكون لي الحياة الأبديّة معه، أو أسير من الباب الواسع الذي يؤدّي إلى الهلاك كما يفعل الكثيرون؟  عليّ أن أتذكّر أنّي كالكثيرين سأدخل باب المدفن ذات يوم، وبعدها سأقف أمام الله للدّينونة.  وماذا بعد ذلك؟  هل لي الحياة الأبديّة مع المسيح؟

إن كنت تسير من دون المسيح في اتجاه الأبديّة، فأنت تسير نحو الخطر الأبديّ.  أمّا إن سلّمت حياتك في الأرض للمسيح وسلكت معه بموجب كلامه، فلن تخاف الموت إذ لك مصير مبارك مع المسيح.  يكتب داود: "وإنْ سِرتُ في وادي ظِلِّ الموتِ لا أخافُ شرّاً لأنَّكَ أنتَ معي".  كما يؤكّد بولس الرّسول: "لأنّي عارِفٌ بِمَنْ آمَنتُ ومُوقِنٌ أنّه قادِرٌ أن يَحفَظ وَديعَتي إلى ذلكَ اليوم".  هل تقدر أنت أن تقول هذا؟  عندها فقط لا يعود الموت يُشكّل مشكلة لك.

كان أحدُ الخداّم يسأل عن عنوان ما في بلدة لا يعرفها، فوجد ولداً وسأله، فقال له الولد: "اذهب سبعة كيلومترات من هنا، امشِ من دون أن تضجر، قد لا تكون الطريق مسلّية، بلْ متعبة ومجهدة، لكن تابع المسير.  سيكون هناك بعض الوحول، وبعض الأشواك، ولربّما ستواجهك بعض الطلعات القاسية، لكن ثابر، تصل بعدها إلى وادٍ مليء بالشوك، تعبره فتصل إلى مدافن، وعبرها تصل إلى طريق مُعبّدة ونظيفة، وحالما تسلكها تتعزّى وترتاح إذ تصل إلى مقصدك للحال".  وقد تكون هذه صورة كلّ إنسان في هذه الحياة.  لكن يبقى السؤال: هل أنت متأكّد من أنّك سترتاح في ختام الطّريق؟  إن كنت في المسيح فلا تخف على المصير، إذ ستكون معه في الأمجاد.  بإمكان أيّ واحد منّا أن يتحضّر للحظة استدعائه إلى الخروج من هذه الحياة، وذلك عبر تسليم حياته للمسيح والاستعداد للقائه.  فالفَطِن يستعدّ للّقاء القريب والوشيك.

 

أنا لستُ إلاّ غريباً هنا                 فإنَّ السَّما موطني

أرى الأرضَ ليست سوى بلقعٍ         فدارُ العلى موطني

هناكَ أمامَ المُخلِّصِ في                 ديارِ السما موطني

سألبسُ إكليلَ مجدٍ بهي                وأفرحُ في موطني

AddToAny