إعلانات السُلَّم المنصوبة إلى السّماء

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

تكوين 28: 10-22

الله يُعلن عن ذاته في الظروف الصّعبة

جميعنا يمرّ بأيّام وظروف يشعر فيها بضغظ نفسيّ وتعب جسديّ في آن معاً؟ يعقوب، في العهد القديم، مرّ بضغط نفسيّ بعد احتياله على أخيه عيسو مرّتين: مرّة عندما أخذ بكوريّته، والمرّة الثّانية عندما أخذ بَرَكته.  أمّا إرهاقه الجسديّ فكان عندما هرب من وجه أخيه عيسو، قلقاً على مصيره الّذي رسمه لنفسه من دون الاعتماد على الله. فبعدما قطع ما يُقارب الخمسة والتّسعين كيلومتراً، قرّر أخيراً أن يرتاح وينام.  وهناك حَلِم حُلماً رأى فيه سلّماً منصوبةً بين الأرض والسّماء، وملائكة الله صاعدة ونازلة عليها، والرّبّ واقف على رأسها يتكلّم معه.  مَنْ يتأمّل هذا الحلم يعرف أن الله تدخّل في حياة يعقوب، مُعلناً عن ذاته بطريقة عجيبة، ومُشجّعاً إيّاه بكلمات مباركة.  ومَنْ يدرس النصّ الإلهيّ في سفر التّكوين يجد أن الله أعلن ليعقوب في هذا الحلم بعض الإعلانات المباركة، ومنها:

الإعلان الأوّل: المحبّة الفيّاضة

الله محبّة، وهو يُحبّ جميع النّاس محبّة أبديّة، وقد أحبّ يعقوب كما قال في المزمور 47: 4 " يَختارُ لنا نَصيبَنا، فَخرَ يَعقوبَ الّذي أَحَبَّه". وقد بيّن الرّبّ محبَّته ليعقوب في هذا الظرف الصّعب ليكشف عن مقاصد نعمته ومجده.  فعلى الرّغم من جهالة يعقوب وضعفه وسوء تصرّفه مع أخيه عيسو، وعلى الرّغم من عدم استحقاقه، نجد الرّبّ يُكرّر له وعده الخاصّ بالعهد الّذي أعلنه لإبراهيم ولإسحق أبيه، إذ قال له: "الأرض الّتي أنتَ مُضطَجِعٌ عليها أُعطيها لكَ ولنَسلِكَ. ويكونُ نَسلُكَ كتُرابِ الأرضِ وتَمتَدّ غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً". ومِنَ المؤكّد أنّ يعقوب خجل أمام هذه المحبّة الفيّاضة، الّتي لم يكن يستحقّها، والّتي غيّرت الكثير في حياته.

أيّ دراسة للعهد القديم تؤكّد أنّ محبّة الرّبّ لشعبه كانت عظيمة جدّاً منذ البداية.  فقد أحبّ شعبه الّذي أخرجه من أرض العبوديّة، وحفظه في الطّريق، على الرّغم من كلّ تمرّده وعصيانه وشكّه وإثمه وقساوة قلبه تجاه الله.

كذلك، فالرّبّ يحبّنا محبّة عظيمة لا حدود لها على الرغم من آثامنا وضعفاتنا وتكاسلنا وتقصيرنا تجاهه، وعلى الرّغم من عدم أمانتنا معه واعتمادنا الكليّ عليه.  فهو يستمرّ في محبّته لنا لأنّ المحبّة من صفاته، وبالتّالي لكي نُبادله إياها، ونعمل مشيئته في حياتنا.

الإعلان الثّاني: الخلاص الأكيد

الحلم الّذي رآه يعقوب كان حلماً مشجِّعاً. رأى أنّ هناك علاقة بين الأرض والسّماء (السُلَّم المنصوبة بين الأرض والسّماء في العدد 12)، تتجلّى من خلال الرّبّ يسوع المسيح، الّذي هو الطّريق (يو 14: 6) والوسيط الوحيد بين الله والنّاس (1تي 2: 5).  إذاً، عرف يعقوب خلاص الله من خلال رؤيته ابنه يسوع المسيح، الّذي سيأتي من نسله تتميماً للموعد (تك 3: 15).  وقد أكّد يسوع أنّه السّلّم الّذي تصعد وتنزل ملائكة الله عليه (يو 1: 51).  هذا الحلم أعطى يعقوب تعزية كبيرة، إذ جعله يعلم أنّ لديه مخلّصاً عظيماً، وحارساً عظيماً في رحلة حياته.  فيما بعد، نرى في سفر الخروج أنّ حضور الرّبّ وسط شعبه تجلّى من خلال سحابة المجد نهاراً، وعمود النّار ليلاً.  وهذان يشيران إلى حضور الرّبّ الدّائم وسط شعبه.  وهكذا قاد الله إسرائيل من مصر، الّتي تُشير إلى أرض الخطيّة والعبوديّة، إلى كنعان، الّتي تُشير إلى أرض الموعد والحريّة.

نتشجّع، كمؤمنين، حين نقرأ هذا الحلم، إذ نعلم أنّ الله مُخلّصنا، وهو معنا في كلّ الظروف الّتي نمرّ بها (متى 28: 20)، وهو قائد حياتنا، ويوصي ملائكته بنا لكي يحفظونا في كلّ طرقنا (مز 91: 11)، فنطمئنّ ولا نخاف على حياتنا ومصيرنا كما كان يفعل يعقوب قبل اختباره خلاص الله. 

الإعلان الثّالث: العناية الخاصّة

لقد أظهَرَ الرّبّ ليعقوب عناية خاصّة خلال الرّحلة القاسية.  فبفضل الإعلان المبارك الّذي رآه، صارت الرّحلة الطّويلة والشّاقة حلماً جميلاً لا يريد يعقوب أن يصحو منه.  وبعد أن نام مرهقاً من التّعب الجسديّ والنّفسيّ، نراه يستيقظ فرحاً سعيداً لأنّه رأى الله.  لم يكتف الله بأن كشف له عن محبّته وخلاصه، لكنّه أراد أن يكشف له أيضاً عن عنايته الّتي سترافقه طوال الطّريق في ذهابه ورجوعه (عدد 15) .  وهكذا، نرى أنّ الرّبّ كان مع يعقوب، ليس فقط عبر إعطائه حياة هادئة خالية من الصّعاب، بل بوجوده معه خلال الصّعوبات والتّجارب الّتي مرّ بها طوال عشرين سنة.  وقد كانت المدّة الطويلة هذه كافية لكي تمحّصه وتُدربّه وتُعلّمه التّوكّل على الله في كلّ الظروف، وذلك ليصير خادماً نافعاً له. كذلك نرى أنّ الرّبّ الّذي اعتنى بشعبه في البريّة طوال أربعين سنة، سمح لهم بأن يمرّوا بصعوبات وتجارب عند عصيانهم وتمرّدهم، ليتعلّموا الدروس القيّمة، فيصيروا شعباً صالحاً له.

ونحن، عندما تُصادفنا آلام وصعوبات وضيقات، يجب ألاّ نشكّ بعناية الرّبّ بنا، بل نتيّقن، في هذا الوقت بالذات، أنّ الرّبّ يزيد من عنايته هذه وسط هذه الظروف، وذلك بهدف أن نتعلّم ونتدرّب، لنتمحّص ونصير خدّاماً نافعين له.  يقول المرنّم "لأنَّكَ جرَّبتَنا يا الله. مَحَّصتَنا كمَحْصِ الفِضَّة" (مز 66: 10).

كيف أتعامل مع الإعلانات الإلهيّة؟

في الختام، لا بدّ من التذكير بأنّ الرّبّ يتعامل مع كلّ واحد منّا عبر كلمته الحيّة، ليُعلن لنا محبّته الفيّاضة وخلاصه العجيب وعنايته العظيمة.  فكما كان الإعلان في بيت إيل إعلاناً شخصيّاً ليعقوب، هكذا أيضاً يُريد الله أن يُعلِن لكلّ مؤمن حقيقيّ يمرّ في ظروف صعبة، أنّه يعتني به شخصيّاً على الرّغم من كلّ ظروف حياته.  التحدّي هو في ألاّ تتغلّب الظروف الصّعبة الّتي يمرّ بها المؤمن على حياته الرّوحيّة، فتُبعده عن الله وتجعله يشكّ بمحبّته له وعنايته به، كما فعل يعقوب قبل رؤيته للسُلّم المنصوبة بين السّماء والأرض في بيت إيل.  على المؤمن أن يعرف أنّ قصد الله خلف الامتحانات هو أن يُعلن ذاته له، ويُمحّص شخصيّته، ويبني إيمانه، ويُنمّي طاقاته ليكون خادماً نافعاً له.  لربّما أفضل ما يُصلّيه المؤمن في أثناء الظروف الصّعبة هو ما جاء في التّرنيمة القائلة:

أيها الفخّاري الأعظم                  أنا كالخزفِ بينَ يَدَيكَ

عُدْ واصنَعني وِعاءً آخر                مِثلَما يَحسُنُ في عَينَيكَ

AddToAny