استفانوس هل سمعك أحد؟

العدد:
السنة:

حاولوا خنق صوته ولم يفلحوا. لم يُريدوا أن يسمعوا. لكن كلامه هبط كالدويّ واخترق التاريخ؛ ومن شاء أن يسمعه فقد سمع، و من لم يشأ فالمسؤولية تُثقل عنقه. صرخ استفانوس:"ها أنا أنظر السماوات مفتوحة وابن الانسان قائما عن يمين الله".

منذ حوالى الألفي عام جاء مثقّفو الشعب وأساتذة الشريعة ليحاجّوا شابًّا عاميًّا في مقتبل العمر، قليل الخبرة، لا يُتقن فنون الكلام والبلاغة التي اشتُهر بها اليونانيون والرومان، وهو لم يبلغ بعد السنّ القانونية التي تتيح له التعليم في المجمع. وعجزوا مع ذلك عن مناقضة حججه فألصقوا به تهمة وقلّبوا عليه السلطة الدينيّة والعامّة وساقوه الى المجمع للحكم عليه. وشرع ذلك العامي في استعراض التاريخ، وكيف ان صفحاته لا تزال تنطق بالكثير مما سُفك من دم طاهر. لم يعجب ذلك سامعيه الذين صرّوا أسنانهم وحنقوا عليه في قلوبهم. وحُكِمَ على الشاب بالموت رجماً خارج أحد أبواب المدينة.

التاريخ نفسه يأسر اليوم عقول مثقفي بلادنا. يقرأوه ليتباهوا به، لكنّهم لا يتّعظون من دروسه بل يحاولون تلوينه ويلعبون معه لعبة الظلال فيُظهِرون ما يريدون إظهاره، وتبقى العبرة فيما يخفون. وأما العامّة فتُساق اليوم، كما في تلك الأيام، بالشعارات. وتُطبِقُ الأيديولوجية على رؤوسها فتُظلمها وتتحكّم السياسة في عواطفها فتسيّرها وتُديرها السلطة الدينية فتعميها. ويستنكر الجميع الحاصل ويدينه، لكنه يُحظَر على أحد أن يلوّث "قدسيّة" التاريخ ويكشف عريه؛ فالتاريخ مقدس، زخرفه المثقفون وختمت عليه السلطة الدينية وحرسه الشعب ومن يجرؤ على التصويب يُرجَم خارج باب المدينة. أمّا الأشنع من ذلك كلّه فهو أن كل من أراد أن يصوّب هذا التاريخ ويُظهره على حقيقته يوبَّخ ويعيّر بالجهل ويُتّهم بتلويثه، بل وتُنزَل فيه الأحكام؛ ولا يزال استفانوس يصرخ بصوت أعظم من الأول قائلاً:"يا ربّ لا تُقِم لهم هذه الخطية".

أسألُ أحيانًا - مع أن الحكمة والروح اللذين كنت تتكلم بهما لم يستطع أحد أن يقاومهما - هل سمعك أحد يا استفانوس؟

AddToAny