اصلاح الفساد البشريّ

الكاتب:
العدد:
السنة:

الفساد يعمّ العالم وكأنّ الضّمير غاب: فسادُ المسؤولين، فسادُ المؤسّسات، فسادُ الأطعمة، فسادُ الأدوية؛ فسادٌ أينما كان! والسّؤال يطرح نفسه: ما السّبيل إلى الاصلاح الكامل والحقيقي؟ هل إن مثل هذا الاصلاح مستحيل؟ أو على حدّ قول الأديب الدكتور محمد كامل حسين أنّ: "الاصلاح هو تحقيق ما يبدو أنّه غير ممكن"؟

الاصلاح هو التّغيير والتقويم، هو الهدم، الكشف، المحاسبة؛ إنّه تغيير المسار نحو الاستقامة، وتحقيق الحقّ والقانون. التحدّي الذي يشكّله الاصلاح إنما يقع على كاهل المسؤول! "الاعتراف بالحقيقة هو الأمل في اصلاح المسار" على حدّ تعبير الفيلسوف والطبيب مصطفى محمود. فلا اصلاح ما لم يعترف المسؤول بأنّه مخطئ.

ولكنّنا نسأل: هل إنه إذا اعترف يندم؟ وإذا ندم يتغيّر؟ ومن يضمنه إذا تغيّر؟ ومن يضمن استمراره في المسار الصحيح؟ هل نضمنه؟ هل يقدر إنسان يخطئ على ضمان عدم وقوع آخر في الخطأ؟ جميعنا بشر، فاسدون من الدّاخل، ولا يستقيم كلّ ما نفعله في عينيّ الله القدّوس، لأننا عاجزون كليًّا عن إتمام قانونه البارّ الكامل!

فلنضمن أنفسنا أولاً! ألا تنفكّ السنتنا وشفاهنا عن النطق بالمكر وشفاهنا عن نْفَث السمّ وأفواهنا عن اطلاق اللّعنات؟ وماذا نقول عن طرقنا، ونحن أينما تحرّكنا نسحق مَن حولنا ونغتصب ما ليس لنا وننادي بالسلام الذي لا نعيشه؟ حسدٌ، بغض وخصام؛ مرارةٌ، غيرة ونميمة؛ نكذب ونسرق ونعبد المال، واللائحة تطول... نفعل هذا كلّه وقد أشحنا بمخافة الله من أمام عيوننا.

الفساد انتشر، ويا للأسف، في كل مكان، لكن الفساد الأكبر هو ذلك الموجود في أعماقنا!

الحلّ بإصلاح الفساد يبدأ أولاً بإصلاح أنفسنا لأننا نحتاج إلى إحداث تغيير جذري في داخلنا يقلب حياتنا حتى تستقيم! نحتاج إلى تغيير جذريّ يُحدث انقلاباً في طبيعتنا المـُنتِجة للفساد من أساسها.

ومن ذا الذي يقدر على أن يغيّر طبيعتنا الفاسدة حتى نستقيم؟ أهو الانسان أم الله؟

هل من انسان بارّ لم يمسّه فساد، ولم يتلوّث بالخطيئة، كي يكون قادرًا على تغييرنا؟ وحده الإله الكامل والقدوس وغير المحدود يقدر على تغييرٍ يطال كلّ الانسان! وحده المسيح، الكامل في إنسانيته والكامل في إلوهيته، والمجسّد للمحبة الباذلة يقدر على أن يُخلّص شعبه من خطاياهم. يا لعمق محبة المسيح ويا لنعمته المخلّصة التي دفعته ليتجسّد عنّا وليأخذ فسادنا وخطيئتنا ويعطينا برّه واستقامته!

فهنيئًا لِمَن وجد طريق البرّ والاستقامة، طريق اصلاح الفساد؛ هنيئًا لِمَن تقابل مع المسيح وصار تابعًا له إذ اختبر خلاصه وتغييره.