اغتيال راسبوتين

العدد:
السنة:

كان غريغوري يافيموفيتش (1869 – 1916) فلاّحاً سيبيرياً ادّعى وهو في الثامنة عشرة من العمر رؤية "عذراء قازان" واقتنع بأنه تم اختياره لهدف خاص. وقدّسه الفلاحون البسطاء بالرغم من أميّته. أولع بالشرب وبسرقة الجياد، وشكّل اتهامه ذات مرة بسرقة أحد الأحصنة نقطة تحول في حياته. فهرب واختبأ في أحد الأديرة حيث ادعى صفة الراهب التي لازمته طيلة حياته. بدأ يتجول في أنحاء روسيا بوصفه رجلاً "مقدساً" يطرد الأرواح الشريرة ويشفي الأمراض ويزور الأديرة والطوائف الدينية على طول الطريق. تبنّى عقيدة الولادة الجديدة من خلال الخطيئة، وهي فكرة غير كتابية تعتقد أن التواصل مع الله والمسيح يأتي عندما يكون الانسان مرهقاً ومغلوبًا على أمره بإرادته جراء الخطيئة. وجمع بين الورع والممارسات الجنسية غير الشرعية. من الطبيعي أن يشجّع مثل هذا الاعتقاد على حياة مليئة بالعربدة والسكر. وشكّل سلوك غريغوري  صدمة واكتسب لقّب "راسبوتين" ومعناه "الفاسق" أو "الفاجر" بسبب علاقاته الجنسية الفاضحة.

وصل راسبوتين في 1903 إلى سانت بطرسبرغ. وما إن ادعى الفلاح-الرجل "المقدس" القدرة على التنبؤ بالمستقبل وعلاج الأمراض، حتى التصق به النبلاء المنحطّون المولعون بالسحر وبالتنجيم وتحضير الأرواح. وانتشر تأثير راسبوتين بعد عام 1905 في اوساط العائلة المالكة نفسها بفعل مهارته في علاج الهيموفيليا (مرض السيلان) بعدما تمكن من شفاء ألكسيس وريث العرش. وهو ما دفع بالقيصر وبزوجته إلى الاقتناع بأنه قدّيس. وقد وُقِّر راسبوتين "الشيطان المقدس" من قبل أعضاء المحكمة والفلاّحين على حد سواء.

إعتاد راسبوتين التنبؤ بأنه وبعد فترة وجيزة على موته سيخسر الإمبراطور الروسي تاجه. فبالرغم من نظرته إلى نفسه بوصفه رجلاً مقدساً يستخدمه الله لدعم عرش رومانوف، اعتقد الآخرون أن نفوذه الشرير خرّب روسيا. فقد سيطر على العائلة المالكة لتصبح كالخاتم في إصبعه. وزاد نفوذه السياسي في المدينة إلى درجة أن مدينة سانت بطرسبرغ أصبحت تعرف باسم "مدينة إبليس". تميّز راسبوتين بسلوكه القاسي وحديثه السطحي وشتائمه وسكره وإغوائه نساء الطبقة الرفيعة في المجتمع، فأكسبه ذلك كراهية شديدة في محيطه. وفكّر الكثيرون من مسؤولي الدولة في قتله. لكن احتضنه بعض النبلاء المستفيدين من أعماله الشريرة والممقوتة.

كره الأمير فيليكس يوسوبوف، ابن عم القيصر، راسبوتين وقرر إزاحته بعدما شعر بأن مستقبل روسيا أصبح طوع بنانه. فتحرك  نحوه بمكر ليكسب ثقته، ودعاه إلى قصره في 16 كانون الاول 1916 حيث دسّ له السمّ في الكعك والخمر. لكن السّم لم يؤثر على راسبوتين. فهلع يوسوبوف والمتواطئون معه وأطلقوا عليه النار وطعنوه تكرارًا ثم ألقوا بجثته المقيّدة في نهر نيفا المتجلّد في سانت بطرسبرغ حيث تم العثور عليه بعد عدة أيام. أظهر التشريح أن راسبوتين كان لا يزال على قيد الحياة عندما ألقِيَ به في الماء. وأدى خبر مقتله إلى ردات فعل مختلفة، إلا انه أدى إلى ارتياح الحكومة الروسية ودوائر العائلة الحاكمة. أمّا الفلاّحون البسطاء، فاعتبروا راسبوتين شهيداً لأنه برز من وسط فقير وقد قتله الارستقراطيّون الأغنياء.

كانت نهاية راسبوتين بداية النهاية لقيصر روسيا نيقولا الثاني، إذ بعد عشرة أسابيع على مقتله أطاحت الثورة الروسية التي اندلعت عام 1917 بآخر جيل من سلالة رومانوف وأُعدم القيصر وعائلته بعد أقل من عامين على ذلك. أما راسبوتين فنبش الناس جثّته من القبر في خلال الثورة وأحرقوها على جانب الطريق.