افتقاد السّجناء

الكاتب:
العدد:
السنة:

سمعت عن شابّ دخل السّجن في إحدى الدّول العربيّة، وهو بريء، فأحسست بتعاطفٍ معه دفعني إلى زيارته، وكانت هذه أوّل زيارة لي إلى سجنٍ! وبعد عدّة معاملات رسميّة وتفتيش دقيق، استطعت الدّخول، لأقابل شابًّا وسيمًا قرأت في عينيه قصّة كبيرة. بدأت أسأله عن أحواله، وعن الموجودين في هذه "المدينة الصّغيرة"، فأخبرني قصصًا ظننت، للوهلة الأولى، أنّها من الخيال. لكنّه أكّد لي أنّ هذا هو واقع السّجن.

عندما بدأ يسرد السّجين قصّته المحزِنة، رأيت أمامي قصّة يوسف في سفر التّكوين. توالت القصّة والأحداث، فأخبرني أنّ إخوته اعتدوا عليه ودخل السّجن ظلمًا. ولكنّ الّذي أدهشني، هو اختلاف الشّابّ عن رفقائه، فقد رأيت فيه النّور والأمل. تأثّرت بما سمعت، ولم أستطع حبس دموعي، وكانت الغصّة كبيرة لأنّني عرفت أنّ هناك بعض السّجناء المظلومين؛ فهذا طفل يزور والده، وهذه زوجة تزور زوجها، وأمّ حزينة تزور ابنها. وهكذا، كنّا مجموعات مختلفة من النّاس، مجتمعون ومتّفقون على شيء واحد، وهو زيارة السّجناء.

سألت صديقي عن سرّ تميّزه عن باقي السّجناء فقال لي: إنّه الله. بدأنا نقاشًا روحيًّا رائعًا وغنيًّا، وقال لي: "في السّجن، إمّا أن يتحوّل المجرم إلى إنسان أو يتحوّل الإنسان إلى مجرم"، واستطرد قائلاً: "عندما تدخل هذا المجتمع فأنت أمام طريقين لا ثالث لهما: إمّا أن تتمادى في الشّرّ والخطأ وتسير فيهما ولا تضع الله في حياتِك، أو أن تتّكل على الله وتندم وتتوب وتقضي مدّة سجنك بقربه. ولكنّ عدد الّذين يسلكون طريق الله نادر جدًّا". أجبته، إنّ هذا أيضًا يحصل في مدينتنا الكبيرة، فهناك طريقان تكلّم عليهما الإنجيل: الطّريق الواسع والطّريق الضيّق، وأنّ الّذين يجدون الطّريق الضيّق هم قليلون.

وبعد حديث طويل، زفّ لي خبرًا جيّدًا مفاده أنّه استطاع الحصول على سرير لكي ينام عليه وغطاء ليتغطّى به! وطلب إليّ ألاّ أتفاجأ كثيرًا، لأنّ الأسرّة غير متوفّرة للجميع، فغالبيّة السّجناء، وعددهم هائل، ينامون على الأرض في غرف صغيرة. وسألته: "ماذا عن الماء والطعام؟" فأجابني بابتسامة: "الله يعلم". وعن قضاء الوقت، وهل هناك مكتبة أو نادٍ رياضيّ أو أمور ترفيهيّة؟ أجابني بأنّ الكلّ موجود، لكنّه غير متوفّر للجميع. "وهل هناك كتب مقدّسة؟" أجابني أنّه بالصّدفة استطاع الحصول على عهد جديد وجده تحت فراش ما، فكان كمَن وجد كنزًا ثمينًا.

بعد أن انتهت زيارتي، فكّرت كم كان تأثيرها إيجابيّ ومشجّع في هذا السّجين. وتذكّرت كلام الرّبّ يسوع المسيح: "كنتُ عُريانًا فكَسَوتُموني. مريضًا فزِرتُموني. محبوسًا فأتَيتُم إليّ. فيُجيبُه الأبرار قائلِين: يا ربّ، متَى رأيناكَ جائِعًا فأطعَمناك، أو عَطشانًا فسَقيْناك؟ ومتَى رأيْناك غَريبًا فآوَيْناك، أو عُريانًا فَكَسَوناك؟ ومتَى رأيْناك مريضًا أو مَحبوسًا فأَتَينا إليك؟ فيُجيب المَلِك ويَقول لهم: الحقَّ الحقَّ أقول لكم: بِما أنَّكم فَعَلتُموه بِأَحَد إخوَتي هؤلاء الأَصاغِر، فَبِي فَعَلتُم". (متّى 25: 31-40).

وكم كانت فرحتي عارمة، عندما اتصل بي صديقي من بيته، وذلك بعد أن أعلنت المحكمة براءته. وشعرت برضى الرّبّ إذ سُنِحت لي فرصة زيارته وهو في السّجن. ويبقى في الضّمير سؤال: لما نُهمِل زيارة السّجناء والاهتمام بهم. أليس مَن يزورهم يكون كمَن زار الرّبّ؟ ويبقى هناك الكثير للقيام به في خدمة السّجناء.