اقتَنِ الحقّ

الكاتب:
العدد:
السنة:

هل هناك حقّ في هذا العالم حتّى اقتنيه؟

هل أصبح الحقّ حلمًا أو هدفًا لا يستطيع أحد أن يصل إليه؟!

وهل ضاع وسط هذا العالم الّذي خلقه الله؟

 

يقول بعضهم إن الحقّ الكامل غير موجود، على الأقلّ في عالمنا هذا. يولّد هذا القول تساؤلاً مهمًّا، إذ كيف أو لماذا يدعونا الكتاب المقدّس إلى المحافظة على شيء إن لم يكن باستطاعتنا أصلاً الوصول إليه؟ يقول النّبيّ سليمان: "اِقْتَنِ الْحَقَّ وَلاَ تَبِعْهُ، وَالْحِكْمَة وَالأَدَب وَالْفَهْم" (أمثال 23: 23).

في أثناء محاكمة بيلاطس ليسوع، سأله: "ما هو الحقّ؟" ولأوّل وهلة اعتقدنا أنّ بيلاطس كان مهتمًّا بمعرفة الحقّ ليخضع له. إلاّ أنّه، وعلى الرّغم من كون الحقّ أمامه، لم يأخذ موقفًا مُشرّفًا منه. ويدّعي معظم النّاس أنّهم مستعدّون للخضوع للحقّ ولاتّباعه إذا تأكّدوا من وجوده ومعرفته. لكنّ الحقيقة هي أنّ الحقّ ظهر بقوّة ووضوح وهم لم يحبّوه.

يعتقد بعضنا أنّ الحقّ صعب المنال، وأنّ الحصول عليه يتطلّب مجهودًا كبيرًا من البحث والتّحليل، وعلى الأرجح لن نصل إليه أبدًا. إنّ هذا الاعتقاد، يُريح الضّمير ويجعل النّاس لايهتمون بما يعجزون عن معرفته، بينما يقول الإنجيل صراحة إنّ المسيح شخص حقيقيّ جاء إلى العالم "ليشهد للحقّ" وهو "الحقّ" كما قال، وبه يعرف النّاس الحقّ. فالباحث بإخلاص عن الحقّ، سوف يجده في يسوع، أمّا التّحدّي فهو أن نعرفه ونخضع له ونتحرّر من عبوديّة الجهل والضّياع.

قد يعتقد بعضهم أنّ الحقّ تغيّر! لكن نسأل: هل يتغيّر الرّبّ حتى يتغيّر حقّه؟ هل تتغيّر صفاته وقداسته ومشيئته؟ إنّنا نحن مَن نتغيّر، ونحن مَن نريد ألاّ نعيش الحقّ، فنتظاهر بأنّه تغيّر. في رسالته إلى أهل رومية، وصف الرّسول بولس بعض النّاس بأنّهم "استبدلوا حقّ الله بالكذب". والكذب هو تحريف الحقّ يقوم به النّاس بحسب استحسانهم ومصالحهم فلا يختبرون قوّته في حياتهم. أمّا مَن يتّبع الحقّ كما هو فيختبر التغيير ويصير مشابهًا لصورة يسوع الّذي أطاع في كلّ شيء.

يعترض بعضهم قائلاً إنّنا وإن عرفنا الحقّ، يستحيل علينا السّلوك بحسبه! ونسأل المعترضين: هل تظنّون أنّ الرّبّ لم يعطِ وصايا وأحكامًا، بل أعطى تمنيّات وكلامًا مثاليًّا جميلاً يُطرب الأذن من دون أن يستطيع الإنسان العيش بموجبه؟ كتب البشير يوحنّا للسيّدة كيريّا: "فرحت لأنّي وجدت من أولادك بعضًا سالكين في الحقّ كما أخذنا وصيّة من الآب" (2يوحنّا 4). و الرّسول بولس وبّخ بعضهم عندما رآهم لا يسلكون باستقامة حسب حقّ الإنجيل. الكتاب واضح إذًا من ناحية ضرورة السّلوك باستقامة في الحقّ. وللخائف من عدم تمكّنه من السّلوك بحسب الحقّ أقول: إنّ الّذي خلّصنا من عبوديّة الخطيّة، يستطيع بروحه القدّوس أن يمنحنا قوّة لنعيش الحقّ ونخضع له. وتبقى الوصيّة لنا ولأولادنا من بعدنا: "قدّسوا نفوسكم في طاعة الحقّ".

AddToAny