الأصدقاء الحقيقيّون

العدد:
السنة:

خُلِقَ الإنسان ليُقيم علاقات بأخيه الإنسان. والقلب البشريّ يتوق إلى إيجاد أصدقاء يشاركهم أفراحه وأحزانه، ضعفاته وانتصاراته، ويجد فيهم مصدرًا للتّشجيع والاحتضان؛ فما من أحد يُحبّ أن يكون مُهَمّشًا، أو وحيدًا، أو غير محبوب. وفي الكتاب المقدّس، نجد مثالاً رائعًا لصداقة حقيقيّة جمعت بين داود ويوناثان، فنقرأ في 1 صموئيل 18: 1: "أنَّ نَفْسَ يوناثان تَعلَّقَتْ بِنَفْسِ داود، وأحَبَّهُ يوناثان كَنَفْسِه".

ولكنّنا نعلم أنّ ما من شيء يأتي بسهولة؛ فللصّداقة ثمن، إذ تتطلّب منّا الكثير من الجهد والتّضحية، وبالأولى، تكريس وقت خاصّ وكاف للصّديق؛ فنتبادل الاختبارات والأفكار والرّغبات. وقد تعلّمت من اختباراتي أنّ على الصّديق الإصغاء أكثر من الكلام، لفهم الآخر وهديه إلى ما هو لخيره. وهنا، لا بدّ من الكلام على النّصح والشّفافية. نقرأ في سفر الأمثال 27: 6، 9: "أمينَةٌ هيَ جُروحُ المُحِبّ، وغاشَّةٌ هيَ قُبْلاتُ العَدُوّ... الدُّهنُ والبَخورُ يُفَرِّحانِ القَلب، وحَلاوَةُ الصَّديقِ من مَشورَةِ النَّفس"؛ فالصّديق الحقيقيّ يتكلّم بصراحة، ويُقدّم النّصائح النّافعة بمحبّة وواقعيّة. وقد تكون تلك النّصائح ما يجب أن نسمعه، وليست بالضّرورة ما نُحبّ أن نسمعه.

سمعت قصّة عن شابّة أرادت تقديم نصيحة لصديقتها، فقالت: "لقد اعتَدتِ على مُقاطعة الآخرين في أثناء كلامهم". فأجابت الصّديقة: "وما الخطأ في ذلك؟" قالت الشّابّة: "هذه الطّريقة تُزعج الكثيرين". وبدأ الحوار يتحوّل إلى جدال؛ فلم تشأ الأولى أن تستمرّ في الكلام، فكتبت بعض الآيات، حول الموضوع، على ورقة وأعطتها لصديقتها. ولمّا قرأت الصّديقة هذه الآيات، عادت وقدّمت اعتذارها، وعرفت أنّها في حاجة إلى التّغيير. فالصّديق يُظهر لك أخطاءك بكلّ محبّة، ويُعطيك الحلّ للانتصار عليها.

كما أنّ علينا، كأصدقاء، أن نتعلّم لغة التّشجيع. قال "مارك تواين": "أستطيع أن أعيش شهرين مُغتبطًا كلّما سمعتُ إطراءً طيّبًا". وقال سليمان الحكيم: "الغَمُّ في قَلبِ الرَّجُل يُحنيه، والكَلِمَة الطَّيِّبَة تفَرِّحُه" (أمثال 12: 25). فمن الضّروريّ إذًا الانتباه إلى طريقة كلامنا ومضمونه. ولنُشجّع أصدقاءنا، فهذا يُعطيهم الثّقة بالنّفس والأمان والقوّة على مواجهة الصّعوبات.

ومن الطّبيعي جدًّا مواجهة المشاكل كسوء الفهم والإساءة؛ فالإنسان ضعيف ومعرّض للخطأ. لذا، علينا معالجة الموضوع بالحوار والهدوء والتّروّي، والابتعاد عن أسلحتنا كالإدانة والاستخفاف والإهانة والسّخرية. يقول الرّسول بولس: "لا تَخرُج كلِمَةٌ ردِيَّة من أفواهِكُم، بل كلّ ما كانَ صالِحًا للبُنيان حسَبَ الحاجَة، كي يُعطي نِعمَةً للسّامِعين". فلماذا لا نُبادر إلى الغفران والمسامحة؟

ولكن، أحيانًا قد تفشل علاقة الصّداقة، ليس بسبب مشكلة ما، بل بسبب المسافات والظّروف الصّعبة الّتي قد تفصل بين الأصدقاء. ولكنّنا نتعزّى إذ نعلم أنّ هناك مُحبًّا ألزَق من الأخ (أمثال 18: 24). هذا المُحبّ صالحنا مع الله بعد أن كنّا أعداء، ودعانا إلى علاقة شركة عميقة به، وهو على استعداد أن يسمعنا في كلّ لحظة من خلال الصّلاة، وأن يُكلّمنا من خلال كتابه المقدّس. إنّه صديق صدوق لا يتركنا، ووعد بأن يبقى معنا كلّ الأيّام وإلى انقضاء الدّهر. أمّا وجوده معنا، فيُشجّعنا ويُعطينا قوّة وإرشادًا في الطّريق. هنيئًا لمَن له صديق وفيّ، هنيئًا لمَن له صديق كيسوع.