الأمانة

الكاتب:
العدد:
السنة:

تُميّز الأمانة ولاء الله وإخلاصه لشعبه، بعدما ارتبط به بعهد، وقد صارت مطلباً إلهيّاً مُلحّاً يطلب من الإنسان أن يكون هو بدوره وفيّاً في علاقته بإلهه.  الكلمة العبرانيّة "àman"، الّتي اشتُقّت منها الكلمة "أمانة"، تحمل المعاني التالية: ثبات، ورسوخ، واستقرار، وما هو جدير بالثّقة.  أمّا العهد الجديد، فيستخدم العبارة "أمانة" المشتقّة من كلمة "إيمان" (في اللّغة اليونانيّة كما في العربيّة). 

قد يكون أفضل ما جاء عن أمانة الرّبّ في العهد القديم، ما ورد في تثنية 7: 9 "فاعلَمْ أنَّ الربَّ إلهَكَ هو اللهُ، الإلهُ الأمينُ، الحافظُ العهدَ والإحسانَ للّذينَ يُحبّونهُ ويحفظونَ وصاياهُ إلى ألفِ جيلٍ" (تث 7: 9).  إنّ أمانة الرّبّ تُشجّع المؤمنين على طلب المعونة الإلهيّة.  صلّى داود: "أمّا أنتَ يا ربُّ فإلهٌ رحيمٌ ورؤوفٌ، طويلُ الرّوحِ وكثيرُ الرّحمةِ والحقِّ.  التفِت إليَّ وارحمني.  أعطِ عبدكَ قوّتَكَ، وخلّص ابنَ أمتِكَ" (مز 86: 15-16).  وصَفَ النبيّ هوشع أمانة الرّبّ من نحوِ شعبه كأمانة العريس من نحو عروسه، إذ قال: "وأخطُبُكِ لنفسي إلى الأبدِ.  وأخطُبُكِ لنفسي بالعدلِ والحقِّ والإحسانِ والمراحمِ.  أخطُبُكِ لنفسي بالأمانةِ فتعرفينَ الرّبَّ" (هو 2: 19).

إنّ أمانة الله تجاه شعبه هي عملٌ من أعمال نعمته.  أمّا أمانة النّاس تجاه الله فهي صفة يجب أن يتّصفوا بها، ليس لضمان استمرار أمانة الله ومحبّته، بلْ لأنّها الفرصة الوحيدة المتاحة لهم ليُظهروا تجاوبهم مع أمانته.  وهكذا، يلتزم "الأمين" بطاعة وصايا الرّبّ (مز 111: 7)، وهو عالمٌ أنّ الله الّذي دعاه إلى شركة ابنهِ يسوع المسيح "أمينٌ" باستمرار (1 كو 1: 9).  فتصير الأمانة متبادلة بين "المؤمن الأمين" و"الله الأمين" (عب 10: 23). 

من جهته، يحفظ "الله الأمين" شعبه حتّى يوم رجوع المسيح ثانية (1 تس 5: 23-24)، ويُقدّم لهم العون في التجارب، فلا يدعهُم يُجرَّبون فوق ما يستطيعون، بلْ يجعل لهم المنفذ ليستطيعوا أن يحتملوا التّجارب (1 كو 10: 13)، ويُقدّرهم على الصّمود أمامها، ويحفظهم من الشرّير       (2 تس 3: 3)، ويُعينهم في وقت الألم (1 بط 4: 19).  ومن المهمّ جدّاً أن يتيقّن المؤمنون أنّ الله لا يتخلّى عن أمانته بسبب شرودهم، فهو "يبقى أميناً، لن يقدِرَ أن يُنكِرَ نفسَهُ" (2 تي 2: 13).  يصف سفر الرّؤيا الرّبّ يسوع المسيح بـِ"الشاهدِ الأمين الصّادق" (رؤيا 3: 14 و11: 19).

أمّا من جهة المؤمن المسيحي، فيجب أن تكون الأمانة دمغة تُميّز حياته.  نرى في العهد الجديد أنّ العديد من المبشِّرين والقادة وُصفوا بالأمانة، ومنهم "تيخيكس الأخُ الحبيبُ والخادِمُ الأمينُ في الربِّ" (أف 6: 21 وكو 4: 7)، وأبفراس الّذي وصفه بولس بأنّه "خادمٌ أمينٌ للمسيح"      (كو 1: 7)، وأونِسيمس "الأخ الأمين الحبيب" (كو 4: 9)، أمّا تيموثاوس فيبقى "الإبن الحبيب والأمين في الرّبّ" (1 كو 4: 17).  كلّ هؤلاء نظروا إلى المسيح رمز الأمانة واقتدوا به         (عب 2: 17؛ 3: 2، 5-6). وقد اعتبر بولس نفسه مؤتَمناً على إنجيل مجدِ الله المبارك             (1 تي 1: 11)، لذلك اعتبر أنّ الخدمة الرّعويّة يجب أن يُعيَّن لها معلّمون تُميّز الأمانة حياتهم بشكل جليّ. 

ولا تبقى "الأمانة" صفة خُدّام الكنائس من دون سواهم، بل يجب أن تكون صفة كلّ مؤمن اختبر الولادة الثانية والامتلاء من الرّوح القدس ليكون أميناً للرّبّ ولشعبه.  فإن كانت "الأمانة" من صفات الله الأساسيّة، وفي صلب اللاهوت الكتابيّ، حيث ارتبط الله بشعبه بعهدٍ أمين ووعود صادقة، فيكون شعب الله مدعوّاً دعوة حقيقيّة إلى أن يحيا الأمانة الّتي يجب أن تكون معياراً أساسيّاً للاختبار المسيحي.

AddToAny