الأمّ العاملة أم الأمّ المتفرّغة؟

العدد:
السنة:

تختلف الآراء في ما يختصّ بالأمّ العاملة. فمنهم من يستحسن أن تذهب إلى العمل، ومنهم من يُفضّل بقاءها في البيت. ولكلّ رأيٍ أسبابه ودوافعه. أمّا القرار النّهائيّ فيعود إلى الأمّ نفسها الّتي عليها أن تختار، ولكن بحذر شديد، فأولادها على المحكّ!

في الحالات الّتي يكون فيها ربّ العائلة قادرًا ماديًّا على إعالة أهل بيته، من المفضّل أن تبقى الأمّ في البيت لتهتمّ بأولادها الصّغار إلى أن يبدؤوا بالذّهاب إلى المدرسة. لقد جعل الله الأمّ أفضل مَن يهتمّ بالأولاد، فهي الّتي تحملهم في بطنها تسعة أشهر وتعتني بهم وتصونهم وتحفظهم في صغرهم.

أمّا الّذين يدعمون ذهاب الأمّ إلى العمل في كلّ الأحوال، فيقولون إنّ بقاءها في البيت يُفقِدها مهاراتها العلميّة ويحرمها التّقدّم في وظيفتها وشخصيّتها، وبالتّالي لن تخدم أولادها ورفاهيّتهم وتقدّمهم الاجتماعيّ. لكنّ هذه الأسباب، وغيرها، ما هي إلاّ أسباب واهية وغير واقعيّة. فالأمّ غير العاملة يمكنها أن تبني شخصيّتها وقدراتها عبر الاهتمام بنفسها وبأولادها معًا، وهي تعرف أنّ الأولويّة تبقى دومًا للاهتمام بأولادها الّذين يحتاجون إليها ليتقدّموا في الحياة أكثر من حاجتها هي إلى شقّ طريق نجاحها المهنيّ والاجتماعيّ.

إنّ تجربتي، كأمّ لأربعة أولاد طوال الثّماني عشرة سنة الفائتة، لم تكن سهلة. ولكن، كان يمكن للأمر أن يكون أكثر صعوبة لو كنت أعمل بدوام كامل. فأنا أعلم ما تعانيه الأمّ العاملة في التّوفيق بين عملها وأولادها وحاجات بيتها. لقد عملتُ في وظائف ذات دوام جزئيّ، وتطوّعتُ لمهامّ مختلفة، وحصلتُ على شهادة جامعيّة أخرى في الوقت الّذي كنتُ فيه أتمتّع بوقت طيّب مع عائلتي. إنّ البقاء في البيت لا يعني إضاعة الوقت في مشاهدة التّلفاز أو في التّحدّث على الهاتف أو الإنترنِت أو في التّبضّع. بل إنّ سبب بقاء الأمّ في بيتها هو للاعتناء به وبعائلتها جيّدًا. هكذا تفعل المرأة الفاضلة التي "تُراقِبُ طرُقَ أهل بيْتِها، ولا تأْكُلُ خُبْزَ الكَسَل" (أمثال 31: 27).

لنتذكّر أنّ أولادنا هم أفضل استثمار في حياتنا، وهم أهمّ من عملنا ووظيفتنا وحسابنا المصرفيّ وحياتنا الشّخصيّة والاجتماعيّة. ويقول سفر الأمثال للمرأة المضطرّة أن تعمل: "تتأمَّلُ حَقْلاً فتأْخُذُهُ، وبِثَمَر يَدَيْها تَغْرِسُ كَرْمًا" (31: 16)، ولكنّها، في الوقت نفسه، لا تُهمل بيتها: "وتَقومُ إذِ اللّيل بعْد وتُعطي أكْلاً لأهْلِ بيْتِها وفَريضَةً لِفَتياتِها" (31: 15). وفي كلّ الأحوال، تبقى الرّغبة الحقيقيّة للمرأة الفاضلة لا أن تظهر وتبرز، بل أن تُرضي إلهها، كما جاء في الكتاب: "الحُسْنُ غِشٌّ والجَمال باطِلٌ، أمّا المرأة المُتَّقِيَةُ الرّبَّ فهي تُمْدَح" (31: 30).

AddToAny