الأهداف وصناعة المستقبل

الكاتب:
العدد:
السنة:

هذه الحياة أقصر جداً من أن تنقضي فيها السنون تخطئ في اهدافها وتمضي بلا رؤيا واضحة. وهي نوعية حياة تُقاوم في الغالب الظروف الطارِئة فقط، تصمد، لكنّها تبقى في النهاية مَجروحة ومُحْبَطة. وسواء كانت الاهداف كبيرة أو صغيرة فهي دائمًا موجودة، ولو بطرق غير مباشرة، وتُحدّد إلى أين قد يصل الانسان وكيف يُصبح مع تقدم الأيام. وهي التي ترسم له ملامح المستقبل المجهول والمخيف أحيانًا. ولا يجب بالتالي أن يَغيب عن ذهن الإنسان بعض الحقائق الثابتة إذا أراد لحياته أن تُصبح ناجحة ومثمرة، بغض النظر عن خصوصيّتِها وصعوباتها.

أوّل ما يحتاج أن يدركه الإنسان هو أن الأهداف النبيلة ليست دائمًا أحلامًا جميلة. ولا يُقارن ما نحلم به بسبب النوم  فيكل يوم، وبفعل الكسل في بعض الأيام، بما نعمل جاهدين لتحقيقه. فما نتمنّاه ونحن تُسْتلقي مُتأمّلين لا يرتقي إلى مرتبة الهدف إلا عندما يدخل في برنامج حياتنا العملي. والهدف الذي لا نعمل عليه بتركيز ومثابرة ولا نُعطيه المكانة العالية في سُلُّم أولوياتنا يبقى حلمًا جميلاً بعيد المنال لا ينفع إلا للترفيه عنّا ولمدِّنا بلحظات قليلة من الرجاء والأمل. 

علينا أن نعرف من ثمّ أن إنَّ الاهداف النبيلة ليست أيضًا رغبات دُنيوية سخيفة. فلا ترتقي رغبات الغنى والراحة والاستمتاع وغيرها من أمور العالم المادي إلى أن تصبح أهدافًا، لأنها في الأصل لا تُروي الجسد ولا القلب ولا تُشبعهما. وما هي إلا أطماعاً فارغة في دنيا زائلة لا تَصنع أبطالاً خالدين بل ضحايا لمجتمع إستهلاكي إعلامي يُحَوِّل الإنسان السامي إلى جسد حيواني يأكل ويشرب (لأن غدًا سيموت.)

ويجب أن نعرف أن الأهداف النبيلة لا تُصنع بطرق مُلتوية. الإنسان هو "ما فَعَلَ" قبل أن يكون "ما حَقَقَ". كيف نصبح في خلال السعي أهم  بكثير من النتيجة المـُجرَّدة. الحاجة لا تبرّر الوسيلة، إنما الوسيلة الشريفة فقط هي التي تصنع الأهداف النبيلة. في طريق الحياة هنا يُهزم المرء أو يُهان. في طريق الحياة هنا يُكتب التاريخ وتصنع الأمجاد ولا تُحَقَق الإنجازات إلا بالعَرَق والدماء والتضحيات.

أخيرًا، إنَّ الأهداف النبيلة هي التي تُحقِق الخطّة المجيدة. خطة الله صنعت كل إنسان بطريقة فريدة. هو أعطى كل واحد قدرة وتَمَيُزًا ودورًا خاصًّا. إذا عَرَفَها الإنسان وعَمِل بها لا بد أن يحقّق أجمل النجاحات. عندما يعمل الإنسان بإستقلالية عن الله يتألّم محاولاً أن يجد معنى أو هدفًا بعيدًا عّما صُنِعَ خِصيصًا لأجله. عندما نجتهد لِمَا لَم يُعَد لنا وعندما نَكِدّ لما ليس بقدرتنا نخور ونفشل. لكن عندما نَقرَع باب السماء يُفتح لنا وعندما نَسأل صاحب السلطان نُجاوب. الله لا يُخطئ أبدًا في صِناعَتِه وتصميمه، وما أعَدَّهُ للذين يحبونه ويطيعونه من نجاحات وانتصارات هي الأهداف الأروع التي لن يفشل الإنسان في الوصول إليها. "فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ أَفْكَارٌ كَثِيرَةٌ لَكِنْ مَشُورَةُ الرَّبِّ هِيَ تَثْبُتُ." (أمثال 19: 21).

AddToAny