الإبراء غير المستحيل

الكاتب:
العدد:
السنة:

لفتني ما قاله أحد الصّحافيين عندما وصف المجتمع المسيحي اليوم بالمهترئ، وكيف أنّ الفساد قد ضربه من كبيره إلى صغيره. ومع أنّ كلّ المجتمعات قد أصيبت، وللأسف، بعدوى الفساد، إلاّ أنّه على من يُسمّى على اسم المسيح أن يسلك الطريق التي سلكها معلّمه.

كَثُر الكلام في الآونة الأخيرة عن المسيحييّن المشرقييّن، صلوات كثيرة رُفعت، اجتماعات ومؤتمرات عدّة عُقدت للبحث في وضعهم وفي كيفيّة حمايتهم. فما المشكلة يا تُرى وأين يكمن الحل؟

من هنا، من هذا الشّرق، انطلقت المسيحيّة إلى العالم وها هو الشرق اليوم يفقد مسيحيّيه بالتدريج. في كلّ مرّة نسمع فيها عن قتل أو ذبح أو تهجير للمسيحيّين نحزن ونُلقي باللّوم على الإرهابيّين الّذين سينالون جزاء فعلهم، عاجلاً أو آجلاً ، ونلوم الغرب الّذي لم يحرّك ساكنًا.

لكن هل توقّفنا للحظة وسألنا أنفسنا هل إننا نقطف اليوم ثمرة أفعالنا؟ فلنتأمل معًا في وضعنا: شبابنا وشيوخنا يتفاخرون بخطاياهم من كذب وسرقة وغشّ في المعاملات في كلّ المجالات، زنى وعهر وخيانة زوجيّة، بناتنا يشمخن ويمشين شبه عاريات. كم من أرملة ويتيم سُلِبَ حقُّهما؟ برّرنا الشّرير من أجل رشوة وأفسدنا العدالة. خلطنا بين المعايير الأدبيّة وقلنا عن الشّرّ خيراً وعن الخير شرّاً. سجدنا لأعمال أيدينا، رذلنا شريعة الرّبّ واستهنّا بكلام القدّوس. بعضنا هاجم الكتاب المقدّس والبعض الآخر ازدرى به وتجاهله تحت عنوان التمدّن. دعانا الرّبّ إلى النّوح والبكاء على وضعنا ذي البهجة والفرح، وشعارنا "لنأكل ونشرب لأنّنا غدًا نموت" (إشعياء 12:22-13). فاسم الرّبّ يُهان في كلّ يوم بسبب فسادنا. ومن إحساناته أنّنا لم نفنى. لو التزمنا وصايا الرّبّ لبات سلامنا أشبه بالنهر؛ لكن بات بعض أبنائنا يُخطف ويُذبح، وبعضهم يُقتل بالرّصاص، ويُضطر الآخرون للهجرة طلبًا للاستقرار والأمن والسّلام.

ما الحلّ يا تُرى؟ هل ننتظر دعمًا من المجتمع الدّولى الّذي وإن تكلّم فبصوت خافت؟ كلّت أعيننا من انتظار السراب. ولربّما يسأل البعض مستهزئًا أين هو إله المسيحيّين؟ هل إنه عاجزٌ عن توفير الحلول؟ هل قَصُرَت يده عن أن تُخلّص؟ لهم نقول إنّ إلهنا في السّماء كلّما شاء صنع. مشكلتنا كبيرة لكن إلهنا أعظم فالحلّ لن يأتينا إلاّ من فوق، وها هو صوت الرّبّ يدوّي قائلاً: "إذا تواضع شعبي الّذي دُعيَ اسمي عليهم، وصلّوا وطلبوا وجهي، ورجعوا عن طرقهم الرّديّة فإنّني أسمع من السّماء وأغفر خطيّتهم وأبرئ أرضهم" (2 أخ 14:7).

نعم، لنتواضع ونعترف أنّنا كشعب دُعِيَ على اسم المسيح قد أخطأنا إلى إلهنا. ومع أنّه يوجد أناس أبرار لم يحنوا ركبتهم لإله هذا الدّهر ويجاهدون يوميًّا في طاعة الله، إلاّ أنّ معظمنا ابتعد عن حياة القداسة الّتي يجب أن يتحلّى بها شعب الرّبّ. لنفحص طرقنا ونمتحنها ونرجع إلى الرّبّ. فإن تواضعنا أمامه واعترفنا بخطايانا أوّلاً وبابتعادنا عنه، وتركنا طرقنا الملتوية وأفكارنا الرديّة، وعدنا إلى ذاك الّذي قدّم حياته بدلاً عنّا لتكون لنا حياة وغد أفضل، فإنّه سيرحمنا ويزيد في غفراننا. إن وعد المسيح صادق وأمين فإن عُدنا إليه يعود إلينا ويُبرئ أرضنا وشرقنا. فوحده سلوكنا بحسب مشيئة الرّبّ وعمل مرضاته يجعلنا نستحق الطوبى في زمن الاضطهاد، وعندها يصبح فرحنا كاملاً وانتصارنا مضمونًا مع المسيح الّذي بموته وقيامته غلب العالم والموت والشّيطان، ويكون لنا أجر عظيم في السّموات.