الإنجيليّون في المتن

الكاتب:
العدد:
السنة:

"الرب يباركك" تحيّة تميّز بها الإنجيليّون مع ترانيمهم الّتي كتبها ناصيف اليازجي وأنيس المقدسي، وغيرهما من الأعلام، على وقع موسيقى بيتهوفن وباخ وغيرهما من عظماء الموسيقى الكلاسيكيّة. طائفة ذهبت يومًا إلى الرئيس فؤاد شهاب لتضع إمكاناتها في تصرّف الجمهورية، فردّ بالقول: "كلّ الطوائف الكبيرة تأتيني بمجموعة مطالب وأنتم الطائفة الصغيرة قدمتم لتخدموا".

قد تكون الطائفة الإنجيليّة صغيرة على لوائح الشطب (25500 نفس بحسب العام 2007)، لكنّ أرقامها تتخطّى "الشطب" بكثير لتجعل من الإنجيليّين جماعة فاعلة "بهدوء"، في لبنان عمومًَا، وفي المتن الشمالي خصوصًا، إذ ينبض المتن قلبًا في جسد هذه الطائفة، ومركزًا أساسيًّا لمؤسسّاتها الروحيّة والتربويّة والاجتماعيّة، لأنّه، بداية وببساطة، الجوار الأقرب جغرافيًا إلى بيروت، وما دمّرته الحرب في العاصمة نقله الإنجيليون إلى جوارها. وكأنّ التاريخ حمل عصاه السحريّة ليحوّل متن لبنان معبدًا يلجأ إليه الأرمن المضطهدون من الأتراك، وكثيرون منهم إنجيليّون، والمهجّرون الداخليّون من الشوف وعاليه وحاصبيّا والجنوب والبقاع الغربي وبيروت، وتصب فيه الإرساليّات الإنجيلية التي كان أولها في العام 1873 من كنيسة "الكويكرز"، وكانت شرارة الانطلاق مدرسة "برمانا هاي سكول".

وفيما عدد الإنجيليّين على اللوائح المتنيّة الشماليّة لا يتجاوز ال 1000 نسمة، إلاّ أنّهم رسموا على الخارطة المتنية، من ساحلها إلى جردها، 24 رعيّة منظّمة، وأكبرها قابعة في الرابية حيث "الثانويّة الإنجيليّة"، وهي أوّل مدرسة في لبنان، وقد تأسّست في بيروت في العام 1835، ومكاتب المجمع الأعلى للطائفة الإنجيليّة في سوريا ولبنان.

تسود ظاهرة الانتخاب كافّة كنائس الانجيليّين ومؤسّساتهم، فيُدعون "آباء الديمقراطية" الّتي تميّزوا بها في العالم منذ حوالى خمسة قرون. ويعمل الإنجيليّون بطريقة مباشرة على بناء الإنسان ككلّ، وكثيرون يتعرّفون إلى الإيمان الإنجيلي من خلال مدارس الطائفة وأبنائها. وللإنجيليّين عشر مدارس مميّزة من حيث النوع والدور، وقد فاق طلاّبها ال 3800، وجامعة هي جامعة "الشرق الأوسط" (تأسّست في العام 1939) وهي الأولى في المتن، نُقِلَت من المصيطبة إلى سد البوشرية في العام 1946. كما أنّ رابطة المدارس الإنجيليّة في لبنان مركزها المنصوريّة، عدا عن أربعة معاهد لاهوتيّة، بالإضافة إلى مؤسسة "الرؤية العالمية" التي تهتم بالتنمية التربويّة والاجتماعيّة، و"المركز الأرمني للعمل الاجتماعي" ومأوى العجزة الأرمني، والمرشديّة الإنجيليّة لخدمة السجون، ومركز القديس لوقا للأولاد ذوي الحاجات الخاصّة، وميتمين، تضاف إليها أيضًا جمعيّات كشفيّة ومراكز إعلامية، كـَ "سات 7" والمركز اللوثري ومجلة "رسالة الكلمة"، والمكتبة المسيحيّة العامّة في عين نجم، ودور نشر كدار "منهل الحياة"، وجمعيّة الكتاب المقدس، وثلاثة مراكز للمؤتمرات والمخيمات.

حريصون هم على الانخراط التّام في المجتمع المتنيّ وفي نسيجه السياسيّ والاجتماعيّ، وحريصون أكثر على إظهار حريّة الفرد السياسيّة داخل الجماعة الإنجيليّة "التي هي في غالبيّتها غير مسيّسة" ولكنها تؤمن بمبادئ كفصل الدِّين عن الدولة وإلغاء الطائفيّة وبناء المجتمع المدني.

معظم الإنجيليّين في المتن هم من الطبقة الوسطى من دون أن يُلغى وجود الفقراء والأغنياء. وهم يتميّزون بعدم وجود سجناء وعاطلين عن العمل في ظل توجيه الشباب إلى العلم والعمل. "يودّع إنجيليو المتن ويستقبلون"، ومعاناتهم هجرة شبابهم استخدموها لتخفيف معاناة من هجّرتهم حرب تموز الأخيرة فكانوا على موعد مع استقبال كثيف لأهالي الجنوب في معظم الكنائس المتنيّة وقدّموا خدمات طبيّة وإنسانيّة لألاف الأشخاص متعاونين مع مؤسسات أخرى في المنطقة.

وفي مقابل ديمقراطيتهم البادية، والتزامهم القويّ في الكنيسة و"مدرسة الأحد"، يُجاهد الإنجيلي في حياته اليوميّة، ويستمر في خدمة مجتمعه بنشاط غير آبه لتجاهل أهل السياسة لحقوق الأقليّات المسيحيّة.