الاستقامة

الموضوع:
العدد:
السنة:

تُشير هذه الميّزة في أصلها إلى كلّ ما يستحقّ أن يُكرّم في المَسلَك (أع 6: 3؛ رو 12: 17)، من هنا صارت الاستقامة فيما بعد تعني الصّدق، والانفتاح، وتجنّب كلّ خداع، أكان ذلك في المعاملات العمليّة أم على صعيد الطّبع الشّخصيّ.  لذلك، فالسّرقة والنّهب ممنوعان بشكل صارم (خر 20: 15؛ 22: 2).  الاحتيال في التّجارة من خلال موازين الغشّ ومقاييسه أمرٌ يدينه النّاموس (لا 19: 35-36؛ تث 25: 13-16)، والأنبياء (عا 8: 4 – 5؛ مي 6: 11؛ هو 12: 7؛ حز 45: 10؛ مز 24: 3-6).

أمّا في العهد الجديد، فاللّصوص والكذَبَة يُقصَونَ عن ملكوت الله ومدينته (1كو6: 9–10؛ رؤ21: 8، 27؛ 1بط4: 15).  عوقب كلّ من حنانيا وسفّيرة بسبب استراتيجيّة الخداع الّتي كانت عندهما للحصول على مدح الكنيسة لهما كفاعلي خير وكرماء في التّوزيع، بينما اختلسا من ثمن الحقل واحتفظا لأنفسهما بحصّة ماليّة خاصّة (أع 5: 1-11).  أمّا بولس فقد حرص على أن يكون إلى جانبه مندوبون للكنائس المتبرّعة بالمال، ليُسافروا معه بينما يوزّع التقدمات على فقراء أورشليم، وذلك "ليعتني بأمور حسنة" من دون أن يلومه أحد (أع 20: 4-5؛ رو 12: 17؛ 2 كو 8: 18-21).

ولإبراز المعنى الأدقّ لاستقامة الطّبع، على الصّعيد الشّخصيّ، يطلب يسوع صدقاً تامّاً من خلال مَنعِه القَسَم، مُحرّضاً على أن تكون "نَعمُكم" تعني "نعماً"، "ولاكُم" تعني "لا" (متى 5: 33-37)، وذلك أيضاً بإدانته المتكرّرة للمراءاة.  لذلك يكره الرّبّ "رجل الغشّ" (مز 5: 6)؛ أمّا المزامير وأسفار الحكمة فتدين الخداع بشكل خاصّ، وبولس الرّسول يعتبره علامة للانحطاط الوثنيّ (رو 1: 29؛ 3: 13).  أمّا كتابات الرّسول يوحنّا فتربط ما بين معرفة الحقّ والتكلّم به والعمل بموجبه وسكناهُ في النفس؛ فقط "سلوك كامل بالحقّ" كهذا مقبول من الله الّذي هو نورٌ والمسيح الّذي هو الحقّ (انظر يو 8: 12؛  1يو 1: 6؛ 2: 4؛ 2 يو 1-2؛ 3 يو 3).

أمّا الدّافع الأعمق إلى الاستقامة المسيحيّة فيكمن في عبادة الله كالحقّ المطلق، والأمين، وحافظ العهد، والّذي يطلب الحقّ في الإنسان  الباطن (مز51: 6).  هناك دوافع إضافيّة إلى الاستقامة، منها: ناموس المحبّة (رو 13: 9 – 10؛ 1 كو 6: 8؛   أف 4: 15)، والوحدة المسيحيّة، الّتي يُدمّرها عدم الصّدق (أف 4: 25-28؛ كو 3: 9).  بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الإيمان الصّالح يُذكَر مع ثمار الرّوح (غل 5: 22). 

منذ مُدّةٍ غير بعيدةٍ كان علم الأخلاق المسيحيّة يعتبر الصّدق عنصراً من عناصر العدالة الاجتماعيّة، حتّى أرخت الماديّة  الجشعة (أي حبّ اكتساب المال واختزانه)، ومقتضيات حرب الإعلانات، وسفسطات المناصب والمراكز الاجتماعيّة، وسياسة النفعيّة (أي النّزوع الى جرّ المغانم من غير اعتبار لأخلاقيّة الوسيلة)، كلّ هذه أرخت ظلّها على التّفكير المعاصر.  ولربّما تكون جماعة الأصدقاء الإنجيليّة (الفرندز)، من بين كلّ الجماعات المسيحيّة، هي أكثر من ركّز على تهذيب الضّمير من جهة بساطة الكلام ودقّته، واستقامة الأعمال المهنيّة الّتي يتطلّبها الصّدق المسيحيّ.

AddToAny