الاعتزال لا المساومة

العدد:
السنة:

لا يعني الاعتزال الرّوحيّ الانطواء على النّفس وعدم التّكلّم مع النّاس أو التّنسّك بعيدًا في الجبال والوديان، بل أن عيش الإنسان المؤمن في هذا العالم وهو يعلم أنّه ليس منه. إنّ الشّوق إلى الأمور الدّنيويّة ينكسر بقوّة الحياة الرّوحيّة الجديدة والطّبيعة الإلهيّة الّتي صار شريكًا لها. أمّا المساومة في الأمور الرّوحيّة والأخلاقيّة، ولا سيّما في الأمور المحدّدة في الحقّ الإلهيّ، يجعلنا أعداء الله ويمنع عنّا البركات. وما الّذي يجعلنا نسلك هذا الطّريق سوى عِشْرة المستهزئين بتعاليم الرّبّ والسّالكين بحسب أهوائهم! يوصينا الرّسول بولس: "لا تكونوا تحت نيرٍ مع غير المؤمنين، لأنّه أيَّة خِلطَة للبِرّ والإثْم؟ وأيّ شرِكَة للنّور مع الظُّلمَة؟" (2كورنثوس 6: 14)، ويقول الرّسول يوحنّا: "لا تُحبّوا العالم ولا الأشياء الّتي في العالم، إنْ أحبَّ أحد العالم فليسَت فيه محبَّة الآب" (1يوحنّا2: 15).

يرفض بعضهم مبدأ "الاعتزال المسيحيّ" متناسيًا الوصيّة الإلهيّة: "لذلك اخْرجوا من وَسْطِهم واعْتَزِلوا، يقول الرّبّ. ولا تَمَسّوا نَجِسًا فأقْبَلَكُم، وأكون لكُم أبًا، وأنتُم تكونون لي بنينَ وبناتٍ، يقول الرّبّ القادر على كلّ شيء" (2كورنثوس6: 17). إنّ التّعريج بين الفرقتين (وهذا التّعبير لإيليّا النّبيّ)، بين الله والعالم الشّرّير، يعني المساومة على الحقّ الإلهيّ. وما هو المطلوب، في أيّامنا هذه، غير المساومة على دم المسيح الّذي يُطهّرنا من كلّ إثم، والتّخفيف، قدر الإمكان، من ذكر كلمة "الصّليب" وعيش التّوبة والمناداة بها، والتّبشير بـ"الإنجيل الاجتماعيّ"، وعبادة الرّبّ من دون إيمان حقيقيّ وبحياة منفلتة، كما فعل قايين الّذي رفض الرّبّ تقدمته ومعها كلّ ذبيحة لا تقود إلى حياة القداسة والطّهر.

إنّ المساومة على الحقّ الإلهيّ وعدم الاعتزال، كما تُعلّم كلمة الله، يقودان إلى حياة روحيّة على أدنى المستويات، تسمح بكلّ ما هو ضدّ إرادة الله ووصاياه وتعاليمه. مكتوب: "لأنّه قد ظَهَرتْ نعمَة الله المُخَلِّصَة، لجميع النّاس، مُعَلِّمَةً إيّانا أنْ نُنْكِر الفُجور والشَّهوات العالميَّة، ونَعيشَ بالتَّعقُّل والبِرّ والتَّقوى في العالَم الحاضِر، مُنتَظِرين الرّجاء المبارَك وظُهورَ مَجدِ الله العظيم ومُخَلِّصِنا يسوع المسيح، الّذي بَذَل نفسَه لأجْلِنا، لكي يَفْدِيَنا من كلّ إثْمٍ، ويُطَهِّر لنَفْسِه شعْبًا خاصًّا غيورًا في أعمال حَسَنَة" (تيطس2: 11-13). هل تُساوِم على الحقّ وعلى ذبيحة المسيح والحياة المقدسة؟ لا تنسَ، أنّ الرّبّ أهلك العالم القديم بالطّوفان بسبب ديانة المساومة.

AddToAny