البرغش المزعج في مواجهة الحياة الهانئة

الموضوع:
العدد:
السنة:

طقس ربيعي  ولا أجمل، وشمس مشرقة تبث أشعّتها الذهبيّة من خلف الأفق، ونسمةٌ عليلةٌ طيّبة تهبّ على المكان وتُنعش روح الانسان. يُبشّر ذلك كلّه بيوم جديد وانطلاقة متجدّدة. وتحثّني رغبتي المتزايدة على أن أمسك بكتاب وأخرج إلى الحديقة بلا تردّد وأجلس على مقعد خشبي ينتظرني أمام البيت استمتع بالسلام من حولي وأطرب لألحان العصافير الشادية.

حاولت عبثاً الدخول إلى أعماق رواية خياليّة استهوتني منذ أيّام، لأعود سريعاً إلى واقع طالما أزعجني، وحاولت دوماً تجاهله. فما إن جلست حتى شرعتُ في صفع نفسي بعفويّة ومن دون تفكير. نعم، صفعتُ نفسي مرارًا وتكرارًا فيما أجاهد للبقاء في عالمي الخيالي. أخذ البعوض الرّمليّ، وهو نوع من البرغش الصغير، يخرج من التراب بكثافة ويهاجمني بدون إنذار مسبق ومن دون أن يُصدر أي صوت، فيمارس فنون العقص على بشرتي وينزل بي الألم الفوري. كائنات هجوميّة وقحة لا تأبه لراحتي أو لانزعاجي، همّها وحسب سلبيَ فرحتي حتى وأنا في أمس الحاجة إلى الابتعاد عن مشاغلي والترفيه عن نفسي. بعوضٌ شرّير يخلّف آثارَ عضّاته على بشرتي فيولّد رغبة ضاغطة في الحكّ  قد تدوم أسبوعين. أسنانه أشبه بطائرة مبرمجة لِلَدْغِ وتعذيب كلّ من تصادفه. ولو حاولتُ رشّ أدوية يُبعده رذاذُها عنّي، فسيظلّ يعثر على أماكن نائية خلف الأذن وداخل الأنف وبين شعرات الرأس وصولاً إلى الجلد تحت ثيابي. يا لها من لعنة تُصيب سكّان جنوب جورجيا.

وهي بذلك تُشبه الازعاج اليومي الذي يُحيط بنا. فماذا نقول عن أحاديث الزملاء المبتذلة والحادّة؟ وماذا عمّا يعترض حياتنا الاجتماعية من توتّرات غير ضروريّة؟ وماذا عن رؤيتنا تلك المشاهد الاباحيّة والبذيئة في أفلام نظنّها بريئة؟ فهذه كلّها تسلب منّا فرحنا الروحيّ وسلامنا. ومن الأفضل لنا، مثلما نُريد أن نتحاشى إزعاج الحشرات العدائيّة، أن نتفادى ما يُعيق حياتنا الرّوحية ويُزعج أعماق كياننا. ومعركتنا الفعليّة هنا ليست مع عقّاص البعوضة، بل مع سهام ابليس الملتهبة التي يجب أن نحمل سلاح الله الكامل لنواجهها ونصمد أمامها وننتصر عليها (أفسس 6: 10-11). أن نبقى بالرّوح ساهرين، وأنقياء القلب والفكر، لهدفٌ بذاته يسمحُ لنا بالتمتّع بحياة هانئة ومثمرة وحاملة لثمار الروح من دون أن تُعكّر صفوها الطفيليّات المزعجة.

AddToAny