التنشئة السياسية: دور العائلة المسيحية في تربية الاولاد سياسيّاً

العدد:
السنة:

تُعتبر التربية فنّ صناعة الانسان ليصير متّزناً جسديّاً ونفسيّاً وفكريّاً وفاعلاً اجتماعيّاً. وتُعدّ السّياسة جزءاً من الحياة الاجتماعيّة. ويُتّفق على أن العائلة هي الرّكن الأساسيّ والأهم في التّربية، لذا وجب على الأهل الاهتمام بجميع جوانب شخصيّة الطفل وبتنمية قدراته ومواهبه إلى أقصى حدّ. وقد أكّد الكثير من الأبحاث الحديثة أنّه يمكن الأطفال، في مرحلة مبكرة، فهم وتعلّم وتنمية الاتّجاهات السّياسيّة، كما يمكنهم فهم المصطلحات التي تشير إلى مفاهيم سياسيّة إذا أُحسن شرحها وتبسيطها.

مفهوم التنشئة السياسيّة وأهدافها

يعتبر مفهوم التنشئة السياسيّة حديثاً نسبيّاً. فهناك الكثير من التعريفات الخاصّة بالتنشئة السياسيّة ينطلق من الواقع السياسيّ في المجتمعات. وكذلك الحال بالنسبة إلى التطلّعات الفكريّة حول دور المواطن ومشاركته الإيجابيّة في مجتمعه السياسيّ. إلا أنه يمكن تعريفها ببساطة شديدة على أنها العمليّة التي تنتقل من خلالها القيم والمعتقدات والعواطف المكونّة للثقافة السياسيّة بنجاح إلى الأجيال المتعاقبة، فتبدأ في مرحلة الطفولة المبكّرة وتستمرّ على مدى الحياة وتهدف إلى تربية المواطنين لتحقيق الاستقرار وقبول النظام والثّقة بالقيادة. ويتسع مفهوم التنشئة السياسيّة ليشمل مفهوم السلطة والحكم وعلاقة الحاكم بالمحكومين والحقوق والواجبات بين الأفراد والدّولة وعلاقة الفرد بمؤسّسات المجتمع وبأفراده وقدرته على فهم ذلك كلّه. ويتم من خلال هذه التنشئة إكساب الفرد الشعور بالهويّة الوطنيّة وبالأفكار السياسيّة العامة وبطرق صنع القرار السياسيّ في المجتمع. وبالرغم من وجود اختلافات وفوارق في مفهوم القيم السياسيّة إلا أن هناك خطوطاً رئيسيّة لقيم مطلقة يجب تدعيمها وبثّها في وجدان الأطفال وتتلخص بالمواطَنة وبالحرية والعدل والمساواة والديموقراطية والأمن والأمان واحترام القانون وطاعة السلطات وتقديس الرموز الوطنيّة، كعَلَم الوطن، وحب الأرض والجيش واحترام رموز السلطة مثل رئيس الجمهورية والحكومة ورجال الشرطة. وكذلك تحديد من هم الأعداء ومن هم الاصدقاء ومفاهيم المصلحة العامة والوطنيّة والقوميّة.

أهمية التنشئة السياسيّة وتحدّياتها في بلادنا

تعتبر التنشئة السياسيّة وسيلة لتصحيح الثقافة السياسيّة المنحرفة في المجتمع ولخلق ثقافة مدنيّة جديدة ومتحضّرة للعبور بالمجتمع من حالة التخلّف إلى حالة التقدّم.

لا شكّ في أنّ التنشئة السياسيّة للأطفال هي عملية شاقّة تهدف إلى تعميق مفهوم الديموقراطية وإعداد الطفل للتفكير الحر من خلال الحوار وتعزيز التفكير النقدي والمستقلّ والعمل على قبول الآخر.

تعمل التنشئة السياسيّة على تهيئة عقليّة الطفل ليصير قادراً على مواجهة الغزو الثقافيّ والفكريّ الذي يصل عن طريق مختلف محطّات الإرسال، خاصة وإنّ الإعلام في بلادنا لم يعد إعلاماً صادقاً موجِّهاً ومرشداً بل إنّه يهدّم ويخرّب ويشوّه ويشحن النفوس بعضها ضد بعض.

عندما تتنحّى مؤسّسات المجتمع المدني عن دورها في تأهيل الأجيال وتعليمهم وتثقيفهم لتفعيل دورهم في المجتمع، فإنّ التنافس الحاد للقوى السياسيّة والصراعات الحزبيّة والطائفيّة يُكسب الجمهور ثقافة عصبيّة ترتكز على إقصاء الآخر وعلى العنف وتنحرف عن معايير القيم الصحيحة إلى القيم الضيقة فتتهشّم الثوابت الوطنية ويُفقد الولاء للوطن؛ ومن شأن هذا الانحراف أن يُدخِل البلاد في حالة من عدم الاستقرار السياسيّ والأمنيّ.

ينزع البعض عن المدرسة أي دور سياسيّ تربوي معتبراً أنه يقوم بذلك بنزع فتيل القنبلة فتتراجع المناهج والمقرّرات وتُمسي مادة التربية الوطنيّة وسيلة لزيادة العلامات وتفقد الكثير من المعنى.

أدّى عمل الأهل بدوام كامل وركضهم وراء لقمة العيش إلى جعلهم غير قادرين على النهوض بدورهم في تربيّة أولادهم وبخاصة من الناحية السياسيّة بعدما فقدوا ثقتهم بدولتهم وبحكوماتها.

"إن تحوّل الأحزاب إلى منظّمات شبه عسكريّة عنفية ورداءة حياة بعض السياسيّين وعدم وجود أحزاب تعمل من أجل فائدة المجتمع، جعلت أبناء الكنيسة ينكفؤون عن العمل السياسيّ رغم الارتباط الوطيد بين السياسيّ واللاهوتيّ" بحسب كتاب "أصحاب السيادة" للقسيس د. إدكار طرابلسي.

دور العائلة في التربية السياسية

رغم تنوع مصادر التنشئة، من العائلة والكنيسة والمدرسة إلى الأحزاب ومؤسّسات المجتمع المدنيّ والبرامج التلفزيونيّة والالكترونيّة، تبقى العائلة هي النواة الأهم والأفعل لتنمية الروح الاجتماعيّة للطفل وقدرته على النّقد والنّقاش وتقبّل الآخر وحلّ المشاكل مع نظرائه بروح المسالمة والعدالة والمساواة ورفع مستوى مساهمته وتعزيز مشاركته الحرّة في الحياة الوطنيّة العامة وتمتين تعلّقه بهويّته ومحبته للوطن وتعزيز وعيه لإنسانيّته وقرابته مع أخيه الانسان بمعزل عن فوارق الجنس واللون والدين واللغة والثقافة وغيرها. وللعائلة الدور الأكبر في تغيير سلوك أبنائها وتدريبهم على الصلاح والأخلاق الحميدة عن طريق التعلّم ومن خلال القدوة. وحقيقة الأمر هي في أن اتجاهات الفرد نحو العمل السياسيّ تبدأ في التبلور داخل الأسرة متأثرة بطبيعة العلاقة بين افرادها ونمط السلطة الأبويّة فيها وما تحمله تلك السلطة من احترام وتقدير لآراء مختلف أفراد الأسرة وآليات صناعة القرار داخل الأسرة نفسها.

 

العائلة المسيحية والتنشئة السياسية

حاول د. طرابلسي تبديد المفاهيم الخاطئة حول موضوع السياسة في الكتاب المقدّس التي جعلت بعضهم يرى أن لا شأن للكنيسة في السياسة، ليؤكّد في كتاب "أصحاب السيادة" أن السياسة في صلب المشروع الالهي وأن الرابط اللاهوتي والمجتمعي هو رباط الأمر الواقع من أجل خير الانسان وسعادته على الأرض. وإذ يفصل الإيمان المسيحي بين الكنيسة والدولة كمؤسستين، فإنه لا يفصل بين "الدين والدنيا" في حياة الأفراد الذين يُفترض أن يعكسوا نور المسيح في العالم ويكونوا ملح الأرض. واللاهوت السياسيّ البيبليّ بعيد عن ذهنية الطائفية ويهدف إلى خدمة الانسان والمجتمع الانسانيّ.

إن دراسة ما عمله المسيح وعلّمه في مجيئه الأول ترينا أنه قدّم خلاصاً إلى العالم وقدّم تعليماً من أجل "حياة أفضل". ومن هنا، على العائلة المسيحية أن تعرف فكر المسيح من خلال الكتاب المقدّس وتعلمه للأولاد وتكون داعمة للكنيسة والمدرسة في دورهما في تنشئة الأجيال الجديدة على حبّ الله والانسان والوطن.

لم تعد المشاركة السياسيّة قضيّة فلسفيّة وثقافيّة مقتصرة على صفوة المفكرين والمثقّفين بل صارت همّاً اجتماعياً يعني الشعب بأسره. وإذا كانت التربية عملية تنمية لكلّ جوانب وأبعاد شخصيّة الطفل إلى أقصى درجة تسمح بها قدراته واستعداداته، فإن التنشئة السياسيّة للطفل تعتبر واحدة من هذه الجوانب الضرورية لنموّه الشامل والكامل والمتزن ليصبح في المستقبل مواطناً صالحاً نافعاً لأهله ومجتمعه ووطنه.

AddToAny