التّواضع

العدد:
السنة:

إنّ موضوع التّواضع هو من أكثر المواضيع الّتي يزدريها النّاس ولا يُبالون بها.  وغالبًا ما يُساء تفسيره (عن قصد أو غير قصد) على أنّه إذلال متعمَّد للنّفس أو احتقار ذاتيّ مُصطَنع، وبعض النّاس يحبّ أن يَصف نفسه بالتّافه والحقير والذّليل.  أمّا في الإيمان المسيحيّ، فالتّواضع هو من الأمور الأساسيّة، إذ اعتبره بعضهم أساس الفلسفة المسيحيّة، وقال عنه "أوغسطينس": إنّه المبدأ الأوّل والأخير للإيمان المسيحيّ.  كما اعتبره آخرون ضروريًّا للتّشبّه بالمسيح، وجوهر إيماننا.  أمّا بالنّسبة إلى "جون كالفن"، فيرتبط التّواضع بإنكار الذّات والتّخلّي عن الثّقة بالنّفس والتّشبّث بالرّأي.  وقد مارس بعض المؤمنين، في مرحلة معيَّنة من تاريخ الكنيسة، فحص الذّات بشكل متواصل كنوع من التّواضع ضدّ البِرّ الذّاتيّ.

إنّ المفهوم المسيحيّ للتّواضع وممارسته ينبعان من تعليم كلمة الرّبّ القائلة: إنّ الإنسان، المصنوع من التّراب، ضعيف وخاطئ ولا يملك ما يفتخر به غير محبّة الرّبّ له وافتقاده (مزمور 8: 4، 5)، وفدائه له.  إنّ الرّبّ يسكن مع المتَواضِع والمُنسَحِق الرّوح (إشعياء 57: 15)، ويطلب من الإنسان أن يسلك معه بتواضع (ميخا 6: 8).  قال الرّبّ يسوع لتلاميذه إنّهم إنْ لم يَرجِعوا ويَصيروا مثلَ الأولاد فلَنْ يدخلوا ملكوت السّماوات: "فَمَنْ وَضَعَ نفْسَهُ مِثلَ هذا الوَلَد فَهوَ الأَعظَمُ في ملَكوتِ السَّماوات" (متّى 18: 3، 4).  وقد أعطاهم مثالاً في التّواضع عندما غسل أرجلهم، وكعَبدٍ أخلَى نفسه (فيلبّي 2: 7، 8).  لذلك، مَنْ أراد أن يكون أوّلاً عليه أن يكون خادِمًا للكلّ (مرقس 10: 43).  وتعلّم كلمة الرّبّ أيضًا أنّه، إلى جانب التّواضع تجاه الله، هناك التّواضع تجاه الآخرين: "بِتَواضُع، حاسِبينَ بَعضُكُم البَعضَ أفْضَلَ من أنْفُسِهِم" (فيلبّي 2: 3)، وتجاه الذّات: "أنْ لا يَرْتَئِيَ فَوقَ ما يَنْبَغي أنْ يَرْتَئي" (رومية 12: 3). 

على المؤمن المسيحيّ أن يعلم أنّه لا يملك شيئًا من ذاته، ولا يُساوي شيئًا لولا نعمة الله في حياته (1كورنثوس 15: 10)، ولا يستطيع شيئًا من دون المسيح يسوع.  وهو يعلم جيّدًا أنّ الله يُقاوِم المُستَكبِرين ويُعطي نعمة للمتواضِعين، وأنّه لا يستطيع أن يرُدّ الجميل لله، بل عليه أن يحسب نفسه عبدًا بطّالاً، وأنّ كلّ عمل يقوم به له مكافأته في ملكوت السّماوات (متّى 25: 37).  على المؤمن ألاّ ينسى أنّ الله أحبّه وخلّصَه وجعله ابنًا له.