الجائزة الكبرى

العدد:
السنة:

تختلف ألعاب اليانصيب فيما بينها. فمنها يستخدم دواليب أو كرات تحمل أرقامًا، ومنها ما هو بطاقات تحكّها لتُطابق رسْمَين أو رقمَين... إنّما فعليًّا، فما يُميّز واحدة عن أخرى هو قيمة جائزتها الكبرى. تبقى هذه الألعاب مجهولة عند غالبيّة النّاس معظم الأحيان، إلى أن تصبح الجائزة الأولى عالية جدًّا ومُغرية، فتشدّ أنظار حتّى مَن لا يهتمّ بها عادة. فللأموال الكثيرة جاذبيّة خاصّة تُدغدغ أحلامنا وتستغلّ حاجاتنا وتوقنا إلى حياة رغيدة مريحة خالية من الصّعاب، بخاصّة إذا ما جاءت فجأة ومن دون مجهود. فيزداد اقتناعنا بأنّ احتمال فوزنا بها، وهو علميًّا ذو قيمة تقارب الصّفر بالألف إلى حدٍّ كبير، وارد وممكن وشبه أكيد!

الأعمى الّذي أبصر

كنت أقرأ في إنجيل مرقس الإصحاح العاشر قصّة بارتيماوس الأعمى. سمعَ صوت جمع غفير وعرَفَ أنّ يسوع كان مارًّا، فابتدأ يصرخ إليه. حاول الموجودون إسكاته، لكنّ صراخه ازداد أكثر. لقد سَمعَ في السّابق كثيرًا عن يسوع وعجائبه، ولم يشكّ لحظةً في سلطانه وقدرته على مساعدته. لقد حلم مرّات عديدة بأنّه يكلّمه ويخبره عن عذابه وحاجته إلى العَوْن. لكنّ العقبة الحقيقيّة والأصعب كانت كيفيّة الالتقاء به. فهو ضرير لا يمكنه السّفر، واحتمال مرور يسوع في أريحا وبالقرب منه ضعيف أو شبه مستحيل. أمّا الآن فها هو على بعد أمتار منه، فكيف له ألاّ يصرخ مُعبّرًا عن ألمه؟ سمعه يسوع، فأمر بأن يُنادى. فقال له الرّجال:"ثِقْ! قُم! هوذا يناديك". ما أرهب هذه الّلحظة، وما أعظم هذا الشّعور، وما أجمل الكلمات الّتي يسمعها! لقد فاز بالجائزة الكبرى. لقد شعر بالانتصار في قلبه، فما كان حلمًا بعيدًا أصبح الآن حقيقة! وفي لحظات صار يُبصر من جديد.

ألعاب الحظّ والخيار اليقين

لا أريد الكلام على ألعاب القرعة، أو عن إمكانيّة اشتراكنا فيها. إنّما أريد أن أطرح السّؤال التّالي: أين نضع رجاءنا وعلامَ نبني أحلامنا؟ قد تسوء ظروف الحياة أو تشتدّ الضّائقة الماليّة، أو تطرأ أوضاع مَرَضيّة، وقد تستمرّ لفترة طويلة، فينفذ صبرنا، لأنّها جميعها تتطلّب وجود المال. فماذا يكون موقفنا وكيف نتصرّف؟ كثيرون يضعون آمالهم على ألعاب القرعة على الرّغم من عدم تأكّدهم من الرّبح. لكن، وجود المال الكثير لا يعني الرّاحة والسّعادة. فلا الشّفاء من مرض مُستعصٍ، ولا الحفاظ على العلاقات الأُسَريّة أو التّنعّم بالسّلام الدّاخليّ نقدر أن نشتريه بمال. وحده يسوع قادر على أن يغيّر حياتنا بشكل أكيد. تُعلّمنا كلمة الرّبّ أن لا نضع آمالنا على الغنى غير المضمون. الأموال والصّحّة واحتياجاتنا هي كلّها في يد الرّبّ. يدعونا يسوع إلى أن نتأمّل طيور السّماء وزنابق الحقل، ونذكر أنّ الله يهتمّ بها ويُلبسها جمالها. هو وحده قادر على أن يُعطي الإنسان بسخاء. وهو ليس بعيدًا عن أحد، بل ينتظر أن يسأله الإنسان بثقة. حتّى في أوقات الضّيق، فهو يُؤمّن المنفَذ لنستطيع الاحتمال. ما يريده لنا هو أن نطلب أوّلاً ملكوت الله وبِرَّه، وأن نعرف حقًّا أنّه هو ربحنا الحقيقيّ.

AddToAny