الجحيم: الحقيقة المؤلمة

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

رغم وضوح حقيقة الهلاك الأبديّ في الكتاب المقدّس، يستمرّ البعض بنفيِها وتبنّي عقائد مثل عقيدة "الفناء الكلّيّ للإنسان" وعقيدة "الخلاص للجميع". وكلّ هذه العقائد ترتكز على الادّعاء أنّ الإنسان لا يمكن أن يُعاقَب على خطايا فَعَلها في فترة حياته القصيرة بعذاب أبديّ لا ينتهي. فلا بدّ من عقاب قصير مؤقّت وغير أبديّ. إلاّ إنّ شعور الإنسان في ما هو حقّ وعدل ليس بالضرورة هو المقياس الصحيح لحقّ الله وعدله. لأنّ المقياس الصحيح يكون بحسب إرادة الله وأحكامه المعلنة في الكتاب المقدّس. فخطيّة الإنسان هي ضدّ قداسة الله. والله وحده يملك الحقّ في وضع الاحكام التي تليق بقداسته وكيفيّة تنفيذها.

لقد علّم الربّ يسوع أنّ الخاطئ غير التّائب سينال عقابًا أبديًّا لا نهاية له. "فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (متى 25: 46). وقال يسوع أيضًا  "وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ رِجْلاَنِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّمَ فِي النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ. حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ." (مرقس 9: 45 و46). هذه الأقوال لا تقود إلى الاعتقاد بأنّ عقاب الخطيئة هو مجرّد علاج وقتيّ بل هو عقاب أبديّ في الجحيم. فيسوع وصفها بِـ "النار الأبديّة" (متى 25: 41 ) فهو "عذاب أبديّ" (متى 25: 46) وهي "دينونة أبديّة" (مرقس 3: 29). وبولس حكى عن "هلاك أبديّ" (2 تسالونيكي 1 :9). ويهوذا "أخو الربّ" تحدّث في رسالته عن " ِقُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ " (6) و"نَارٍ أَبَدِيَّةٍ" (7)، و"قَتَامُ الظَّلاَمِ إِلَى الأَبَدِ" (13). والرسول يوحنّا يصف في سفر الرؤيا وضع الخطاة في الجحيم: "وَيَصْعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (14: 11). ويحكي عن بحيرة النار والكبريت التي "دُخَانُهَا يَصْعَدُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (19: 3؛ 20: 10). وهذا الجحيم أُعِدَّ أصلاً لابليس وملائكته، حيث يُرمى معه جميع من يختار اتّباعه في الحياة. ولو لم يكن الجحيم عذابًا أبديًّا لكانت عبارات الكتاب المقدّس قد دُوِّنَت بصِيَغ أخرى.

أظهر الرّسول بولس الحقائق المختصّة بالأمور الابديّة بوضوح حين قارن بين الأشياء التي ترى والأشياء التي لا ترى. "وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ." (2 كورنثوس 4: 18). فإذا استمرّت "الأشياء الوقتيّة" إلى الأبد، فلا داعي لتسميتها "وقتيّة". ولا يكون هناك داعي للتمييز بينها وبين الأشياء الأبديّة. فهي إذًا لإظهار أن الأشياء الأبديّة نقيض الأشياء الوقتية. وكلمة الأبديّة نفسها مستخدمة لإظهار الأشياء التي لا نهاية لها، مثل: "حياة أبدّية" (متى 25: 46) و"خلاص أبديّ" (عبرانيين 5: 9). وقوله" مجده الابديّ" (1 بطرس 5: 10) أيّ الذي لا ينتهي كما هو حال الدّينونة الابديّة. فالحياة الابديّة التي لا تنتهي هي بركة للتّائبين المفديّين بالمسيح في المجد، وأما العذاب الذي لا ينتهي فهو لعنة لغير التّائبين في الجحيم.

إنّ العذاب الابديّ في الجحيم يترافق مع وعي وإدراك تامّين. فالغنيّ في الجحيم (لوقا 16) أدرك موقعه، فرفع عينيه (23) وطلب الرّحمة (24)، وتعذّب (24)، وتذكّر (25، 28)، أراد أن ينقذ أخوته من هذا المصير (28). أمّا في سفر الرؤيا، فجاء عن الأشرار أنّهم "يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ وَالصُّخُورِ اسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَنْ غَضَبِ الْخَرُوفِ." (6: 16).

إنّ هذا العقاب المشبّه بالنّار التي لا تنطفئ والدّود الذي لا يموت هو لإظهار الالم الواعي (مرقس 9: 46 و48). فالخاطيء غير التّائب له وجود أبديّ. ومعاناته الشّديدة وألمه المبرح هما كألم الدّود الذي ينخر في عظام الإنسان والنار التي تأكل لحمه.

لقد بذل بعضهم محاولات عديدة لإثبات أنّ عقاب الخطاة هو الفناء، وبالتّالي غياب الوعي والادراك. لكن إن كان الأمر كذلك، فهو لم يعد عقابًا. فجوهر العقاب هو العذاب والندامة. والعذاب يعني وعي لحالة الإنسان. فإن كان الإنسان لا يعي الألم، فالعقاب أمر مستحيل. ومن ناحية أخرى إن كان مصير المذنبين الفناء، فعندها يتساوى جميعهم في العقاب. وهذا الأمر يتعارض مع الكتاب المقدّس الذي يعلّم أن هناك درجات من العقاب ترتبط مباشرة بنسبة رفض الإنسان للتّوبة. فالربّ يسوع تكلّم على أماكن أرسل إليها البشارة لكنّ الناس لم يستجيبوا لها ورفضوا الحقائق الرّوحية. فقال عن هؤلاء: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ سَتَكُونُ لأَرْضِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ يَوْمَ الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ." (متى 10: 15). فدينونة أهل سدوم وعمورة، الخطاة الفجّار، ستكون أقلّ إيلامًا من دينونة هؤلاء الذين سمعوا البشارة ورفضوها. وهذا يؤكّد أنّ يوم الدينونة آتٍ على كلّ خاطئ، وسيكون على مستويات ودرجات متفاوتة.

جاء في سفر أشعياء 53: 10 "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ." فالرّب يسوع هو الوحيد الذي دخل الجحيم وعاد منتصرًا حتى يعطي للخطاة التائبين فرصة نجاة. فهو على الصّليب، واجه في غضون بضع ساعات، العقاب البديليّ عن كلّ من يأتي إليه تائبًا ويؤمن به. أمّا الذين يرفضونه كمخلّص، فمصيرهم الجحيم الذي لن يعودوا منه. إنّ الجحيم هو مكان الاقامة النهائي والدائم الذي يدرك فيه الإنسان حكم الله الصّالح. وهو ليس مكانًا للتّعلّم أو لتصحيح المسار كي يكون مؤقتًا، بل هو مكان دينونة الله للذين رفضوه. "فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ."(2 تسالونيكي 1 :8-9). فإن كانت جهنم مصيرًا حتميًّا ومؤلمًا لكلّ خاطئ غير تائب، تبقى فرصة النجاة وضمان الحياة الابديّة متوفرة لكلّ تائب يؤمن بعمل المسيح على الصليب. "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ." (يوحنا 3: 16).