الحقّ والباطل ومسؤوليّة الاختيار

الموضوع:
العدد:
السنة:

دروس من المواجهة بين بيلاطس والمسيح

يوحنّا 18: 28-40

المسيح يشهد للحقّ

مع أنّ قسماً من النّاس يعمل في قصور العدل وليس جميعهم، إلاّ أنّهم كلّهم يهتمّون لموضوع الحقّ والباطل، بخاصّة عندما يتعلّق الأمر بمصالحهم الشّخصيّة.  فمَن يتأمّل مليّاً بالحياة، يراها حقيبة خيارات بين الحقّ والباطل، ولكنّ عدداً قليلاً من النّاس يريد معرفة الحقّ الكامل، لذلك، لا يختاره ولا يتعب بالبحث عنه ولا يلتصق به عندما يعرفه.  في هذا النّصّ من كلمة الله، نرى إنساناً رومانيّاً شريفاً، متعلّماً، وقائداً تاريخيّاً، وهو بيلاطس.  إنّه يُحقِّق مع المسيح، محاولاً التّعرّف على حقيقة الاتّهامات الّتي تُوجّه إليه. 

أمّا يسوع فيُعرِّف نفسه قائلاً: "لهذا قد وُلِدتُ أنا، ولهذا قد أتَيتُ إلى العالمِ لأَشهدَ للحَقِّ.  كُلُّ مَنْ هو مِنَ الحقِّ يَسمعُ صَوتي" (يو 18: 37).  المسيح يقول إنّه الملك المختلف عن باقي الملوك، الّذي جاء ليشهد للحقّ، وإنّ مملكته، مملكة الحقّ، تُظلّل كلّ الممالك، وهي عمود الحقّ وقاعدته، حيث يطلب من رعاياه أن يعرفوا الحقّ ويحيوا به، ويشهدوا له         (1 تي 3: 15).  أمّا بيلاطس الرّومانيّ، ابن الدّولة الّتي أرسَت الحقوق والشّرائع، فقد أراد أن يسمع عن الحقّ، لكنّه بعدما سمع، لم يأخذ قراراً مُشَرِّفاً، حاله حال كثيرين في الحياة لا يختارون الحقّ، بل يُفضّلون البقاء في الباطل لأسباب متنوّعة. 

في هذا المقال نتناول موضوع الحقّ والباطل ومسؤوليّة الاختيار، راجين الله أن يُكلّم القرّاء للوقوف إلى جانب الحقّ.

بيلاطس يستوضح عن الحقّ  

سأل بيلاطسُ: "ما هو الحقُّ؟"  (يو 18: 38)  يا لهذا السّؤال العظيم!  لكن، نسأل إزاءه: هل هذا سؤال لغويّ يُظهر أنّ بيلاطس لم يفهم الكلمة الّتي استخدمها يسوع، أو هو سؤال قانونيّ، فيه يستفسر عن مفهوم يسوع للحقّ، أو هو سؤال فلسفيّ تشكيكيّ، أراد فيه أن يستوضح ما لا يقدر أحد أن يُجيب عنه بشكل قاطع؟

المؤسف هو أنّ بيلاطس طرح هذا السّؤال ولم ينتظر سماع الجواب، إذ "ولمّا قال هذا خَرجَ" (يو 18: 38).  يا للأسف!  لقد أدار ظهره للّذي كان الحقّ (يو 14: 6).  ومن يومها، بقيَ سؤال بيلاطس السّؤال الّذي لا يقدر أحد أن يُجيب عنه ما لم يسمع ليسوع الّذي جاء ليشهد للحقّ.  ما هو الحقّ؟  سؤال طرحه بيلاطس نيابة عن كلّ واحد منّا. 

لغويّاً: إنّ الحقّ هو ضدّ الباطل، وهو الحقيقة ضدّ الوهم.  أمّا في الكتاب المقدّس، فهو يرتبط بشخص إله الحقّ ويُميِّزه: "فالّذي يَتبرَّكُ في الأرضِ يَتبرَّكُ بإِلهِ الحَقِّ، والّذي يَحلِفُ في الأرضِ يِحلِفُ بإِلهِ الحَقِّ" (إش 65: 16).  والعهد الجديد يُعلن أنّ الحقّ مرتبط بالمسيح شخصيّاً: "وأمّا أنتُم فلم تتعلّموا المسيحَ هكذا، إنْ كُنتُم قد سَمِعتُموهُ وعُلِّمتُم فيهِ كَما هو حَقٌّ في يَسوعَ" (أف 4: 20، 21). 

لاحظ أنّ الوحي المقدّس يتكلّم على الله الّذي هو الحقّ المطلَق والكامل، لأنّه هو الخالق الّذي وضع كلّ حقّ وأسّسه.  والمسيح، الّذي هو صورة الله، مملوء نعمة وحقّاً (يو 1: 14، 17).  إذاً، المسيح لم يكن مُجرّد شاهد للحقّ الإلهيّ كما كان يوحنّا المعمدان (يو 5: 33)، بل كان إعلاناً حقيقيّاً وكاملاً له.  فالحقّ تجسّد فيه، لهذا تمكّن من القول إنّه الحقّ (يو 14: 6)، وكلّ ما تكلَّم به هو الحقّ (يو 16: 7). 

إنّ الهدف من إعلان الحقّ هو أن يقبله النّاس، فيُغيّرهم ويُحرّرهم.  هذا القبول ليس معرفة ذهنيّة لبعض الحقائق، بل معرفة شخص الحقّ: "أنْ يَعرِفوكَ أنتَ الإِلهَ الحَقيقيَّ وَحدَكَ ويَسوعَ المسيحَ الّذي أَرسَلْتَه" (يوحنا 17: 3).  معرفة المسيح الحقّ تُحرِّر الإنسان من كلّ باطل: "فقالَ يَسوعُ لِليهودِ الّذينَ آمَنوا بهِ: إنَّكم إنْ ثَبتُّمْ في كلامي فبِالحقيقَةِ تَكونونَ تلاميذي، وتَعرِفونَ الحقَّ، والحقُّ يُحرِّرُكم" (يو 8: 31، 32)، وبهذه الحريّة يصير المرء في الحقّ ويسمع ليسوع (يو 18: 37).

بيلاطس يُعلن الحقّ

وبقي بيلاطس يسأل ويستوضح، فخرج إلى الجمع "وقالَ: أيَّةَ شِكايَةٍ تُقدِّمونَ على هذا الإنسانِ؟" (يو 18: 29)، ثمّ دخلَ من جديد إلى دارِ الولايةِ، ودعا يسوعَ وحقّق معه ليعرف ماذا فعل (يو 18: 33-35)، فلم يجد فيه علّةً واحدةً، وأعلن ذلك للملا (يو 18: 38 و 19: 4).  يا لهذا الإعلان الحقّ!  وبعد ذلك، علَّق بيلاطسُ على الصّليب لوحةً كُتِبَ عليها "يسوعُ النّاصريُّ مَلِكُ اليهودِ . . . فقالَ رؤساءُ كَهَنةِ اليَهودِ لبيلاطسَ: لا تَكتُبْ: مَلِكُ اليَهودِ، بَلْ: إنّ ذاكَ قالَ: أنا مَلِكُ اليهود!.  أجابَ بيلاطسُ: ما كَتَبتُ قَد كَتَبتُ" (19: 19- 22).

لكنّ إعلان بيلاطس عن الحقّ بقي إعلاناً ضعيفاً، إذْ لمْ يتمكّن من معرفة أكثر ممّا أراد معرفته؛ وهكذا بقيت معرفته محدودة، إذ إنّ أسئلته بقيت بلا جواب، ومنها: "ما هو الحقّ؟"  و "من أين أتيتَ؟"  ونقرأ أنّ يسوع "لم يُعطهِ جواباً"، لأنّ بيلاطس لم ينتظر سماع الجواب (يو 19: 9-10). 

بيلاطس لا يتمسّك بالحقّ

العجيب في أمر بيلاطس هو أنّه شهد ليسوع ولم يتمسّك به، بلْ ترك لليهود أن يُسيئوا التصرّف إليه.  ونتساءل:

Ø    هل عدم تمسّكه بالحقّ نابع من كونه مساوماً بالطّبع؟  وهناك أشخاص يساومون بطبعهم دائماً، فيأخذون الموقف الوسطيّ ظنّاً منهم أنّهم بهذا يربحون الجميع. 

Ø    هل عدم دفاعه عن الحقّ نابع من جُبنِه؟  لقد خاف على مركزه من تهمة تسهيل قيام ملكٍ عاصٍ.  لقد أراد أن يُطلِقَه، لكنّ خوفه من أن تصل الشّكوى إلى روما جعله يتساهل: "مِن هذا الوَقت كانَ بيلاطسُ يَطلُبُ أنْ يُطلِقَهُ، ولَكنَّ اليَهودَ كانوا يَصرُخونَ قائِلينَ: إنْ أَطلَقْتَ هَذا فلَسْتَ مُحِبّاً لِقيصر.  كلُّ مَنْ يَجعَلُ نَفسَهُ مَلِكاً يُقاوِمُ قيصَر" (19: 12).

Ø    هل عدم دفاعه عن الحقّ نابع من نظرته الخاصّة إلى الدّفاع عن الحقّ، وذلك عبر تحكيم الدّيمقراطيّة؟  لقد اعتمد على الشّعب الّذي كان ينظر إلى يسوع كنبيّ أو معلّم، فقال في نفسه: دَعِ الشّعب يحكم مهما كانت النّتائج، فجاءت النّتيجة سيّئة: "ولَكُم عادَةٌ أنْ أُطلِقَ لَكُم واحداً في الفِصحِ. أفَتُريدونَ أنْ أُطلِقَ لَكُم مَلِكَ اليهودِ؟  فصَرَخوا أيضاً جَميعُهُم قائِلينَ: ليْسَ هَذا بَلْ باراباس!  وكانَ بارابسُ لِصّاً". (يو 18: 39-40).

Ø    هل عدم دفاعه عن الحقّ نابع من دبلوماسيّة الإداريّ الّذي لا يرغب في تحمّل المسؤوليّة، فغَسَل يدَيه وقال لليهود: "خُذوهُ أنتُم واحكُموا علَيهِ حَسَبَ ناموسِكُم" (يو 18: 31)؟

Ø    هل عدم دفاعه عن الحقّ نابع من خلفيّته الدّينيّة الوثنيّة الّتي لا تقبل بوجود حقّ واحد مُطلَق، ولهذا لم ينتظر ليسمع جواب يسوع عن الحقّ؟

مهما كانت الأسباب، يبقى أنّ بيلاطس لم يتمسّك بالحقّ، بل سَمحَ بجلد يسوع الّذي أُهين في دارته، وبُصِق على وجهه، ووُضِع تاج شوك على رأسه (لو 23: 16).  ويتحمّل بيلاطس مسؤوليّة عدم تمسّكه بالحقّ وعمله هذا.  وهذا ما دانه عليه الرّسل: "لأنَّهُ بالحَقيقَةِ اجتَمَعَ على فَتاكَ القُدّوسِ يَسوعَ، الَّذي مَسَحْتَهُ، هيرودُس وبيلاطُس البُنطِيُّ" (أع 4: 27).

من المؤسف حقّاً ألاّ يعرف بيلاطس الحقّ، فهو لو عرفه، لما صَلَب ربّ المجد (1 كو 2: 8).  لكنّ عدم معرفته الحقّ لا يعفيه من الدّينونة اللاّزمة. 

أسباب عدم اختيار الحقّ

لو بحثنا في أسباب عدم اختيار النّاس الحقّ الّذي في المسيح، لوجدنا أنّ الكتاب المقدّس يذكر أسباباً عديدة، بالإضافة إلى المصلحة الشّخصيّة والجُبْن والمساومة، من هذه الأسباب:

Ø    عدم محبّة الحقّ.  يقول بولس الرّسول "لأنَّهم لمْ يَقبَلوا مَحبَّةَ الحقِّ حتّى يَخلُصوا. ولأَجلِ هذا سَيُرسِلُ إليهِم اللهُ عَملَ الضَّلالِ، حتّى يُصدِّقوا الكَذِبَ، لِكَي يُدانَ جَميعُ الّذينَ لمْ يُصدِّقوا الحقَّ، بلْ سُرّوا بالإثمِ" (2 تس 2: 10-12).  فالنّاس يهلكون لأنّهم لا يُحبّون الحقّ ولا يقبلون به. 

Ø    الوقوع تحت تأثير الشّيطان.  إبليس، المدعوّ "الكذّاب وأبو الكذّاب" (يو 8: 44)، هو إله هذا الدّهر الّذي يُعمي أذهان غير المؤمنين، لئلاّ تُضيءَ لهم إنارة إنجيل مجد المسيح، الّذي هو صورة الله (2 كو 4: 4).  هذا هو المحتال الأكبر، مهندس كلّ خداع وضلال ليقتل النّاس، لأنّه "لمْ يَثبُت في الحقِّ لأنَّهُ ليسَ فيهِ حقٌّ" (يو 8: 44).

Ø    قبول بَدائِل مزوَّرة.  فمن لا يُحبّ الحقّ لا يقبله ويذهب إلى المزيد من الضّلالة والحمق فيستبدله بالكَذِب في عبادته المخلوق دون الخالق، الّذي هو مبارك إلى الأبد (رو 1: 25).  على النّاس أن يعرفوا أنّ الإنجيل هو رسالة الحقّ لخلاص نفوسهم.

Ø    النّبوّة الكذّابة.  فالّذين لا يقبلون الحقّ يهتمّون بالرّؤى الباطلة، ويُصدّقونها على الرّغم من أنّها تُضِلّ الشّعب بعيداً عن الرّبّ، فتتحوّل عدوّاً لهم (حز 13: 7-10).

Ø    قساوة القلب.  فالنّاس عندما يرفضون الرّبّ، تتقسّى قلوبهم كما تقسّى قلب فرعون في القديم (خر7: 14 و 8: 15، 32 و 9: 7، 12) فينغمسون في الفساد الأخلاقيّ إذ يُسلّمهم الله ليفتكروا ويفعلوا ما لا يليق (رو 1: 24-28). 

نتائج عدم اختيار الحقّ

إنّ عدم اختيار الحقّ لا يبقى من دون عواقب وخيمة كما يتمنّى النّاس أن يصير، ورفضه يُعرّضهم لشتّى أنواع المضاعفات، ومنها:

Ø    فقدان أيّ أساس في الحياة.  إذا جهل أحدهم ماهيّة الحقّ الإلهيّ، فلنْ يعرف أيّ حق آخر لاهوتيّ أو أخلاقيّ.  فقد قال الفلاسفة اليونان: "إنّ نظرة الإنسان إلى الحقّ تُحدّد أخلاقه وتصرّفاته ومواقفه".  وهذا صحيح.  فإنْ وَجَد الإنسان الحقّ بالله، التزم بالوصايا العشر كمبادئ نهائيّة للأخلاق الشّخصيّة.  وإنْ وجده نسبيّاً، ولمْ يؤمن بأخلاق مطلَقَة، يصير كلّ شيء نسبيّاً عنده.  أمّا إذا رآه في الطّبيعة والإنسان ارتبطت الأخلاق عنده بالأهواء البشريّة. 

Ø    الوقوع في الضّلال.  وهو التّضليل عن الحقّ، وضدّ الحقّ، والخطأ، وما هو غير حقّ، والكذب، وشهادة الزّور.   التّضليل فنّ وإبداع وابتداع يتقنه إبليس كما سبق ورأينا.  لكن تذكّروا أنّه فنّ غير أصيل.  أمّا الحقّ فهو اختراع وفنّ أصيل وثابت.  ونرى أنّ الحقّ والباطل يتعاملان مع الحقول نفسها: كالمنطق، واللاهوت، والأخلاق.  أمّا الضّلال، فهو غير مقبول منطقيّاً، ولاهوتيّاً، وحتّى أخلاقيّاً. 

Ø    الوقوع تحت غضب الله.  عندما يحجب النّاس الحقّ بالإثم يقعون تحت غضب الله كما يقول بولس الرّسول في رومية 1: 18.  لا يُمكن أن يسير الإنسان ضدّ الحقّ ولا يقع تحت التّأديب الإلهيّ (2 تس 2: 9–11).

Ø     الغرق في الجهل والباطل.  هناك من يتعلّم ولا يستطيع أن يُقبِل إلى معرفة الحقّ أبداً (2 تي 3: 7)، بينما الله يُريد أنّ جميع النّاس يخلُصون وإلى معرفة الحقّ يُقبِلون (1 تي 2: 4).

Ø    البقاء خارج دائرة الحياة.  فالكذّابون هم خارج المدينة المقدّسة (رؤ 21: 27 و 22: 14-15)، ويذهبون إلى الموت الثّاني، إذ الله حقّ والّذي يسير معه تكون له الحياة، أمّا الشّيطان فهو أبو الكذّاب والّذين يسلكون طريقه يهلكون (يو 8: 44).

كيف بإمكاننا أن نختار الحقّ؟

Ø    عندما نثق بالمسيح أنّه الحقّ الّذي يُعلِّم الحقّ المُطلَق.  "يا مُعلِّمُ، نَعلَمُ أنَّكَ صادقٌ ولا تُبالي بِأحدٍ، لأنّكَ لا تَنظُرُ إلى وجوهِ النّاسِ، بَلْ باِلحقِّ تُعلِّمُ طريقَ اللهِ" (مر 12: 14).

Ø    عندما نسمع كلمة الحقّ الموجودة في الإنجيل.  "الّذي فيهِ أيضاً أنتُم، إذْ سَمِعتُم كَلِمةَ الحقِّ، إنجيلَ خَلاصِكُم"    (أف 1: 13).  وعندما نتحررّ بالحقّ.  قال يسوع: "وتَعرِفونَ الحقَّ والحقُّ يُحرِّرُكم"  (يو 8: 32).

Ø    عندما تربطنا علاقة قويّة، وحقيقيّة، وفعليّة بالمسيح، ومَنْ لا يتمتّع بهذه العلاقة لا يقدر أن يقبل المسيح.  "كلُّ مَنْ هو مِنَ الحقِّ يَسمعُ صَوتي" (يو 18: 37). 

Ø    عندما نتعرّف إلى الحقّ، أي يسوع، علينا أن نُمنطق أحقاءنا بالحقّ (أف 6: 14).  فيصير الحقّ ميزتنا كما هو ميزة المُخَلِّص. 

Ø    عندما نُدرّب أنفسنا على الحقّ.  "كلُّ ما هوَ حَقّ، كلُّ ما هوّ جَليل، كلُّ ما هوَ طاهِر ... ففي هذِهِ افتَكِروا"  (فيلبي 4: 8)، فعمليّة التّدرّب على الحقّ هي أمر واجب وضروريّ؛ لأنّه عندما تأتي ساعة القرار يجب أن يكون قراراً محِقّاً. 

الخاتمة

قد يحتاج المرء إلى التّفكير العميق في موضوع الحقّ، والبحث في أعماق نفسه ليرى إن كان من الّذين يعرفون الحقّ ويؤمنون به ويعملون به ويتمرّسون في الدّفاع عنه.  واقع العالم اليوم يقول إنّه بعيد جدّاً عن الحقّ، لكنّ نموّ جمعيّات حقوق الإنسان والتّركيز على الحقوق العامّة والخاصّة يدعونا إلى التّفكير من جديد في ولائنا للحقّ وعلاقتنا به.  إنّ كنيسة المسيح لا تستطيع إلاّ أن تكون ملتزمة بالحقّ، والمؤمنون كأفراد عليهم أن يتعلّموا الحقّ داخل الكنيسة أوّلاً.  أمّا البيوت المسيحيّة فعليها أن تُهيّئ أفراداً يعرفون أنّ تعلّم الحقّ والتّمييز على أساسه أهمّ من تعلّم مهنةٍ تدرّ مالاً وفيراً.  فمن الضّروريّ أن يُقال في المؤمن إنّه متشبّه بالمسيح لأنّه مليء نعمة وحقّاً (يو 1: 14)، ووجود المؤمنين وسط النّاس هو ضمانة لوجود الحقّ في العالم.  إنّ اختيار الحقّ كنهج حياة يُتعِب في البداية لكنّه يُريح في النّهاية، ويكون لمجد الله دائماً.  المؤمن بالمسيح مدعوّ إلى الالتزام بالحقّ ورفض الباطل، لا إلى الانتساب إلى مدرسة بيلاطس الّتي لا تختار الوقوف مع الحقّ. 

وأنت، إلى أيّة مدرسة تنتمي؟  هل الموضوع محسوم عندك أم ما زلت تُفكّر؟  وما هي نتيجة خياراتك؟  بعضهم يُمضي العمر يُفكّر في الحقّ لكنّه لا يختار التمسّك به.  صلاتي إلى الله أن يُكرِمَ أولاده في هذه الأيّام بأن يعرفوا الحقّ ويُدافعوا عنه ويحيوا به.

AddToAny