الحكمة القديمة للحياة المعاصرة

الموضوع:
العدد:
السنة:

يقصد الكثيرون المكتبات لشراء كتب الحكمة الصّادرة عن مُعلّمي الشّرق الأقصى ومُحاربيه الوثنيّين، من أجل نجاحهم في حياتهم المهنيّة والشّخصيّة. في الوقت عينه، قليلون يعرفون أنّ الكتاب المقدّس مليء بالحكمة الّتي إن اكتشفوها وعملوا بها ساعدتهم على تحسين سيرتهم في الحياة، وكان مردودها على حياتهم ممهورًا بالبركة الإلهيّة. إنّ حكمة سليمان الملك هي الأشهر في التّاريخ، ومَن عَمِل بها ارتقى إلى أرفع المستويات الّتي تجعل منه رجلاً نبيلاً مُحترمًا. نكتفي، في هذه الأسطر القليلة، بدارسة أمثال 4: 20-27. وفي هذا النّصّ، تعليم خاصّ باستخدام الأذُن والقلب والفم والعينَين والرّجلَين.

يبدأ المقطع الكتابيّ بالقول: "يا ابْني، أَصْغِ إلى كلامي. أَمِلْ أُذُنَك إلى أقْوالي" (20). الأذُن هي الباب الطّبيعيّ إلى القلب. وما يدخل آذاننا يؤثّر في أذهاننا وقلوبنا، وفي القرارات الّتي قد نتّخذها. فمن الحكمة أن ننتبه لما نسمعه فنُبعِد آذاننا عن سماع الأباطيل والكذب والشّتائم والاغتياب وكلام السّفاهة والهزل الّذي لا يليق بأتباع المسيح. فلنفحص كلّ ما نسمعه ونُميّز ما يدخل آذاننا، فنحفظ ذواتنا من أخطاء الحياة. أمّا سماع كلمة الله فهو خير نبراس للحياة الصّاعدة إلى العلاء.

"فوقَ كلّ تَحَفُّظ احْفَظْ قلْبَكَ، لأنَّ منه مَخارِجُ الحياة" (23). إنّ ما يفكّر فيه القلب وما يحبّه هو نتيجة ما تسمعه الأذُن وتنظره العين. فما هي أفكار قلبك؟ وما الّذي يشغله في هذه الأيّام؟ إذا فسد النّبع وتلوّث لا يصلح بعد لشيء، بل سينتشر الفساد في كلّ الجسم. عرف النّبيّ هذه الحقيقة وطلب إلى خالقه: "قلْبًا نقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يا الله، وروحًا مُستَقيمًا جَدِّد في داخلي" (مزمور 50: 10).

"انْزِعْ عنْكَ الْتِواءَ الفَم، وأَبْعِد عَنْكَ انْحِرافَ الشَّفَتَين" (24). من فَضْلة القلب يتكلّم الفم، وكلّ ما يدور في أفكارنا تنطق به شفاهنا. فهل ما نتكلّم به صادق أو كاذب؟ هدّام أو بنّاء؟ وهل كلامنا مُملّح بِمِلح، أي أنّه يُصلِح الفساد أو يزيده فسادًا؟ قال النّبيّ داود: "أتَحَفَّظُ لسبيلي من الخطأ بلِساني. أحْفَظُ لِفَمي كِمامَةً فيما الشّرّيرُ مُقابلي" (مزمور 39: 1). ينحدر مستوى الكلام والتّخاطب في أيّامنا، ويتعلّم النّاس بعضهم من بعض سوء استخدام اللّسان. ليتهم يتحذّرون بقول الحكمة: "مَن يحْفَظ فَمَهُ يحْفَظ نفْسَهُ. مَن يَشْحَر شَفَتَيْه فَلَهُ هلاكٌ" (أمثال 13: 3).

وهناك العين. وكلّنا حريص على صحّة عينيه. يقول الوحي المقدّس: "لتَنْظُر عَيْناكَ إلى قُدّامِكَ، وأجْفانُكَ إلى أمامِكَ مُستَقيمًا" (25). ماذا تنظر بعينيك؟ غالبًا ما تبدأ الشّهوات الجسديّة بالنّظر. قال الرّبّ يسوع: "إنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُر إلى امْرأَةٍ ليَشْتَهِيها، فقدْ زَنى بها في قَلْبه. فإنْ كانتْ عَيْنُكَ اليُمْنى تُعْثِرُكَ فاقْلَعْها وألْقِها عنْك، لأنَّه خَيْرٌ لكَ أنْ يَهْلِكَ أحدُ أعْضائكَ ولا يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّه في جَهنَّم" (متّى 5: 28- 29). "سِراجُ الجسَدِ هو العَيْن، فإنْ كانتْ عينُكَ بسيطَةً فجَسَدُكَ كُلُّه يكونُ نَيِّرًا، وإنْ كانتْ عَيْنُكَ شرِّيرةً فجسَدُكَ كُلُّه يكونُ مُظْلِمًا، فإنْ كانَ النُّورُ الَّذي فيكَ ظَلامًا فالظَّلام كَمْ يكون!" (متّى 6: 22-23). إنّ ما تنظره بعينيك، إمّا أن يرفعك أو يهوي بك. لذلك قال المرنّم "أرْفَعُ عَيْنَيَّ إلى الجِبال، مِن حيْثُ يأتي عَوْني! مَعونَتي من عندِ الرّبّ، صانِعِ السَّماوات والأرض. لا يَدَعْ رِجْلَكَ تَزِلّ" (مزمور 121: 1).

وماذا عن القَدَمَين؟ ويتابع النّصّ الّذي نتأمّل فيه فيقول: "مَهِّدْ سَبيلَ رِجْلِكَ، فَتَثْبُتَ كلُّ طُرُقِكَ. لا تَمِلْ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً. باعِد رِجْلَكَ عن الشَّرّ" (26-27). إنّ الطّريق المستقيمة أفضل من المعوَّجة. قال الرّبّ على لسان إشعياء النّبيّ: "هذه هي الطَّريق. اسْلُكوا فيها" (إشعياء 30: 21). إنّها الطّريق إلى الله والبرّ وإلى الشّركة مع قدّيسيه. يوصي أبٌ مُحبّ ابنه الشّابّ قائلاً: "يا ابْني، إنْ تَمَلَّقَكَ الخُطاة فلا تَرْضَ. إنْ قالوا: هلُمَّ مَعنا... يا ابْني، لا تسْلُكْ في الطّريق مَعَهُم. امْنَعْ رِجْلَكَ عنْ مَسالِكِهِم. لأنَّ أرْجُلَهُم تَجْري إلى الشَّرّ وتُسْرِع إلى سَفْكِ الدَّم" (أمثال 1: 10-16). لذلك، مهِّد السّبيل أمام أرجلكَ، فالانزلاق مؤذٍ.

إنّ دراستنا لهذه النّصائح الحكيمة من سفر الأمثال تُحمّلنا المسؤوليّة العظمى من نحو أعضائنا وكيفيّة استخدامها كما يُرضي الله. قليلون يعرفون أنّ هذه الحكمة القديمة نافعة لأيّامنا الحاليّة. جميع الّذين عاشوها في أيّامهم كلّلتهم بالنّجاح والقداسة. يطلب بولس الرّسول من المؤمني بالمسيح: "فمَجِّدوا الله في أجْسادِكُم وفي أرْواحِكُم الّتي هي لله" (1كورنثوس6: 20).

AddToAny