الحياة الرّوحيّة: جهادٌ أو استسلام؟

العدد:
السنة:

يمتلئ الكتاب المقدّس بقصص أبطال الإيمان الّذين لَم يُحِبّوا حياتهم حتّى الموت. ونرى في العهد القديم النّبيّ دانيال ورفاقه الثّلاثة وما واجهوه من تجارب في بلاد السّبي. جعل دانيال في قلبه أن لا يتنجّس بأطايب الملك نبوخذنصّر ولا بخمر مشروبه. كما أنّ رفاقه رفضوا أمر الملك بعبادة آلهته الغريبة والسّجود لتمثاله الذّهبيّ. واستعدّوا لمواجهة أتون النّار المتّقدة الذي حُمِّيَ سبعة أضعاف العادة. وأجابوه قائلين "فَليَكُنْ مَعْلُومًا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنَّنَا لاَ نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلاَ نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ". لم يساوموا ولم يستسلموا، كما أنّهم لم يفتكروا في ما قد يؤول إليه رفضهم طاعة الملك، بل جاهدوا حتّى الإستشهاد والموت. لذا باركهم الله وأرسل ملاكه ونجّاهم. ونرى من ثمّ انقلاب الوزراء والمستشارين على دانيال. وقد اتفقوا على إصدار أمر ملكي يُحذّر حتى ثلاثين يوماً من رفع أيّ طلبة إلى إلهٍ أو إنسانٍ إلاّ الملك، على أن يُطرح من يُخالف في جبّ الأسود. ولم يردعه هذا الأمر الملكيّ من الصّلاة والتّضرّع إلى الله، فطُرِحَ للموت لكنّ الله أرسل ملاكه وسدّ أفواه الأسود.

نتأمّل في العهد الجديد في حياة الرّسول بولس وما واجهه من مخاطر في خدمته التّبشيريّة. إلا أنه أظهَر نفسه خادماً أميناً للمسيح في الشّدائد والضّرورات والضّيقات والضّربات والسّجون والإضطرابات والأسهار والأسفار والأصوام والميتات والبرد والعُري والجوع والعطش والتّعب والكدّ. تلقّى من اليهود خمس مرّات أربعين جلدة إلاّ واحدة، وضُرب ثلاث مرّات بالعصيّ، روُجِم مرّةً، وتحطّمت فيه السّفينة ثلاث مرّات، وقضى ليلاً ونهاراً في العمق، وواجه أخطار سيول ولصوص، وأخطاراً من جنسه ومن الأمم ومن إخوة كذبة. هذا عدا ما تراكم عليه من اهتمام يومي بكل الكنائس (2كورنثوس 6 و 11). حسب أمجاد هذا العالم نفايةً على استعداد ليخسرها ليربح المسيح. وجاء في اعترافه الأخير "قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ". (2 تيموثاوس 7:4).

وفي الرّسالة إلى العبرانيّين لائحة بأسماء أبطال الإيمان الّذين استعدّوا للتّخلّي عن أيّ شيء من أجل البقاء أوفياء لله، لأنّهم تطلّعوا جميعهم إلى المجازاة السماويّة. وهناك جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء. وآخرون لم تُذكَر أسماؤهم "عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ. وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضًا وَحَبْسٍ. رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلاً بِالسَّيْفِ، طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى، مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ ... تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَال وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ الأَرْضِ." (عبرانيّين 11: 35 - 39).

وعلينا كمؤمنين، أمام هذه السّحابة من الشّهود والأبطال الّذين لم يكن العالم مستحقًّا لهم، أن نترقّب المجيء الثاني للمسيح وأن نستسهل طرح كلّ ثقل وخطيّة محيطة بنا. وندوس على مغريات العالم، ونُثابر مجتهدين من أجل الانجيل دون أي خوف من الموت، ونقاوم الخطيّة ولا نسقط فيها، ونتبع القداسة الّتي من دونها لن يرى أحدٌ الرّبّ. ولا يزال المسيح في أيّامنا هذه يفتّش عمّن يُرسِله ومن يذهب من أجله. فلنلبِّ الدّعوة ونأتي إليه قائلين "هأنذا يا ربّ أرسلني لأعمل في كرمك". وعندها نستطيع أن نُنشد مع المؤمنين الغالبين:

        

 

في طريق الجهاد               نحن دومًا سائرون

في طريق الأمجاد               نسعى لا نخشى المنون

سنأخذ الإكليل               بعد الحرب الطّويل

ومع عمّانوئيل                 للدّهر سنكون

 

AddToAny