الحياة المُثمِرة

الكاتب:
العدد:
السنة:

من أكثر الصفات التي تُميِّز الإنسان عن باقي المخلوقات هي أنه كائن منتج. فالحيوانات تكتفي باستهلاك ما يتوفّر أمامها من طعام وغَنائم، بينما يعمل الإنسان بنفسه على إنتاج ما يحتاجه منها بأساليب مُبتكرة ومتنوِّعة.

وبنتيجة ما يحدث في الآونة الأخيرة من تغييرات بيئية خطيرة يشهدها العالم، نستطيع ملاحظة الكثير من الجُهود التي تُبذل لاستيعاب هذه التغيرات والحدّ من أضرارها على الانتاج العالمي للغذاء. إن اهتمام الانسان بالتنمية والانتاجية الأرضية أمر طبيعي وضروري، كذلك يجب أن يكون اهتمامه بالثمر الروحي. عندما يعمل للطعام فهو يعمل لبقائه الجسدي وهو إلى حد ما يعمل بالتأكيد كباقي المخلوقات ولو بذكاء ونجاح أكبر. لكن عندما يعمل الإنسان ليُثمر بروحه وعقله المتجدّد، فإنه يعمل لخُلوده ولنموه الروحي على صورة جمال خالقه. لذلك نرى أنَّ الأمور التي صنعها وأنتجها الإنسان، وغير المعدّة للاستهلاك فقط بل للتمتُع والاستفادة الروحيّة والنفسيّة أيضاً، هي من أروع أعماله وأجملها. أعمالنا قد تعكس مادة التراب الذي منه جُبلنا أو تعكس المجد الذي أُعطي لنا مِن الذي نفخ نسمة الحياة فينا. لهذا فإن للحياة المُثمرة أهميّة إنسانيّة قصوى، إذ إن الإنتاج الروحي لا يهدف إلى الحفاظ على الحياة  فقط بل أيضاً إلى الانتقال منها إلى بُعْدٍ آخر صُنعت لأجله. ويعني هذا أنَّ الإثمار ليس إشباعاً لرغبة أو تحقيقاً لإنجاز أو هدف صعب، بل إنه مرتبط بالله عبر التكريس والثقة والطاعة. واجبٌ على الإنسان أن يستفيد من كل الموارد المتوفّرة لديه لكي يُثمر، كما قال الرب في سفر هوشع: "من قِبَلي يوجد ثَمَرُكِ". لا حِجّة لأي إنسان للكسل وللفشل ولعدم الثمر، فالعمل عمله والرعاية مضمونة من الله. الثقة به وطاعته وتخصيص الموارد والطاقات له هو قمة الإنتاجيّة التي صُمّمنا للعمل بها. فالأعشاب الضارّة تنمو لوحدها من دون أي رعاية ونحن كذلك نُثمر بحسب طبيعتنا الفاسدة؛ لذلك نحتاج أولًا لعمل الرب يسوع الداخلي ليكون ثمرنا صالحاً ومرضيًّا أمامه. وعلينا، لتجنّب أي ثمر غير مضمون وتوفير جودة النوعية، التأكد من حصول تغّيير في الحياة إلى الأفضل فنتخلّص بذلك من حياة العبودية ونسير نحو الحياة المُمتعة والحرَّة مع الله. يقوم المتخصصون بالاقتصاد بإحصاء المنتوج ومقارنته بانتاج السنوات السابقة. والتَقييم والتحليل يوجّهان العمل ويُفعّلان نتائجه بدلاً من الاكتفاء بالانشغال كما فعلت مرثا مع يسوع فقال لها :"مَرْثَا، مَرْثَا، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ...". للحياة معنى أعظم مِمّا ندرك. إضاعة الوقت والانشغالات غير الضروريّة وعدم مراجعة ثمار الحياة وتقييمها على نحوٍ صحيح، تُجرِّد الإنسان من إمكانياته الكبيرة وتُقلل من إنتاجيته. وليست الدعوة للإثمار الروحي للاجتهاد فقط بل انها أيضاً لتسليم القلب والفكر والقدرة ليسوع .

AddToAny