الخدمة المسيحية والزامية التواضع... نموذج بولس الرسول

الموضوع:
العدد:
السنة:

"أَخْدِمُ الرَّبَّ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ". هذه كانت كلمات الرّسول بولس الوَداعيّة لشيوخ كنيسة أفسس بعد لقائِهِ بهم في ميليتس. لقد عرفوه عن كَثَب، كونه مؤسّس كنيستهم وراعيها لثلاثِ سنوات. كم أحبّوه لِتفانِيهِ في خدمة المسيح وفي الرّعاية الرّوحية. في هذه الكلمات نرى الرّسول بولس يصف نفسه كعبد للرّب يخدمه تمامًا كما يفعل العبد مع سيّده الّذي يملكه. إنّ استعباد الرّسول بولس نفسه للرّبّ وتواضعه يشكّلان مثالاً وتحدّيًا لنا جميعًا.

كان الرّسول بولس قد أصبح عجوزًا متعبًا من شدّة ما قاساه في حياته، لكنّه لم ينسحب من خدمة السيّد، ولم يتقاعد أو يتقاعس، بل استمر مجاهدًا حتى الساعة الأخيرة. ونتمنّى أن نتعلّم منه هذا التّواضع تحديدًا.

التواضع الفكريّ

هناك تعبير رائع وهو "تواضع الفكر"! لا نرى ذلك دائمًا في المشهد العام في أيامنا. نرى الناس يجدون متعةً في استعراض السّلطان والقوّة والمواهب والثقة الزائدة في النفس، ويبتكرون إلى ما لا نهاية أساليب جديدة لاظهارها في العبادة والتنظيم الكنسيّ والحياة الإجتماعية. أما شعار بولس فكان أنه يخدم "بِكُلِّ تَوَاضُع".

من خلال المنطق المُستخدم في رسائله، نفهم أنَّ الرَّسول بولس كان عبقريًّا وصاحب أسلوب مميّز في الكتابة يظهر أنّه يعرف أن يصوغ كلمة الله بشكل رائع يؤكد أنه مفكر عظيم. ومع هذا امتلك بولس تواضعًا فكريًّا هائلاً. إذا قرأنا رسالة رومية، نراها غنيّة بمنطق حادّ وبنصوص داعمة مقتبسة من العهد القديم، سواء الاقتباسات المباشرة أو غير المباشرة. نرى أن الرسول بولس اعتاد على الاستعانة بكلمة الله. لم تجرفه قدرته العقلية بعيدًا إنما أثبت باستمرار صدق تعليمه بالعودة أولاً إلى الكتاب المقدس.

تواضع الأداء

نلاحظ أيضًا تواضع الرّسول بولس في اعتماده الكلّي على روح الله القدوس في السلطان الروحي، خلافًا للبعض اليوم الّذين يتصرّفون كما لو أنّ القوّة هي موهبة فطريّة وطبيعيّة فيهم، ومتاحة لهم ليعملوا بها ما أرادوا. على النقيض من ذلك، يُقرّ الرسول بولس بأنه مزدرى ومُنتقَد بسبب فشله في إظهار حضور قوّي. لم يمارس بولس فائض القوّة أبدًا، إنّما بَحَثَ عن الله ليقوّيه روحيًّا. من الواضح أنَّه لم يكن أحد هؤلاء الوعّاظ العنيفين أو الصّاخبين، الذين تبدو عظاتهم مجرّد لغو مطوّل، والذين يتحرّكون على المنبر صعودًا ونزولاً كما لو أنّ التأثير المسرحي سيضمن البركة. على العكس من ذلك، إنّ الرسول بولس تعرّض للسّخرية بسبب أسلوبه البسيط.

لم يكن بولس أحد هؤلاء الناس الّذين يطالبون ببركات الله في الصلاة، مدّعيًا هذا وذاك. على الرغم من أنّ لديه وعود عظيمة تشجّعه على الصلاة، إنّما دخل إلى محضر الله بكلّ خشوع وتواضع، كمتضرّع مسكين. كلّ صلوات الرّسول المدوّنة متواضعة جدًّا، تُظهِر أنها صلوات شخص يسأل ويتوسّل، لا يطالب أبدًا ولا يدّعي.

نرى تواضع الرّسول بشكل خاصٍّ في الطّلبات المتواضعة التي طلبها من داعمِيه، المتوسّطي الحال جدًّا. لا أحد كبولس كان مستعدًّا للعمل رغم قلة الموارد. لم يتوقّف أبدًا ليحتجّ ويقول مثلا: "انظروا، أنا كرسول لي الحق في هذا أو ذاك". حتى عندما تخلّى عنه الناس وفشلوا في مساعدته، استمرّ وحده في خدمة الرب، وسلّم أمره له واستمر يخدم بتواضع.

قد نلاحظ أنّه حتى كان مستعداً للخدمة لدى الجماعات الصّغيرة مهما كان حجمها. لم يقل أبدًا: "يجب أن تعرفوا أنّني أسّستُ العديد من الكنائس الكبيرة جدًّا، ولديَّ مسؤوليّاتٌ عظيمة، وسوف أتكلم فقط إذا أمْكَنَكُم جَمْعُ ألف شخص". على العكس من ذلك، كان في أفسس يذهب من منزل إلى منزل، يدفعه اهتمامه بالنفوس.

لنتأمّل أيضًا في تواضع بولس في قبول التّجارب، كما هو مسجَّل عنه: "وَالآنَ هَا أَنَا أَذْهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ مُقَيَّدًا بِالرُّوحِ لاَ أَعْلَمُ مَاذَا يُصَادِفُنِي هُنَاكَ. غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَشْهَدُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قَائِلاً: إِنَّ وُثُقاً وَشَدَائِدَ تَنْتَظِرُنِي. وَلَكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ". (أع 20 :22-24).

نموذج يحتذى به

نفكّر بالعزيز بولس، الرسول المتألم، صاحب القلب المثقل بالنّفوس الضّالة، وحال المؤمنين وأهمّ الكلّ مجد سيّده. نفكّر في العزيز بولس، الّذي لم يكن يومًا بعيدًا، أو متعاليًا ومقتدرًا، ولم يعتبر نفسه مهمًّا جدًّا ويعتذر عن خدمة الأفراد أو عن القيام بالمهام المتواضعة. نفكّر في العزيز بولس، الّذي لم يكن يومًا مريضًا جدًّا أو عجوزًا جدًّا ليتمّم واجباته كاملة كعبد للمسيح.

لو كان الرّسول بولس حيًّا اليوم، نتخيّله غير راضٍ عن مقدّمات المدح في الاجتماعات، أو بالسير الذّاتية التي تؤلّه الناس. إذا شاهدناه في محادثة غير رسميّة مع الآخرين لن نجده حريصًا على استجوابهم عن نفسه، بل سوف نراه أكثر اهتمامًا بهم، وفي ما يختصّ بالرّبّ. ربما في وقت لاحق سيقدّر من يُجرُون معه المقابلات قلّة المعلومات التي يقدّمها عن نفسه، بعيدًا عن شهادته عن الخلاص وعن صلاح المسيح.

دعونا نسعى بكلّ ما في وسعنا لاقتلاع كلّ أصل للكبرياء في شخصيّاتنا، ونكره كل مظهر من مظاهره ونرفض كلّ ظهور له وكلّ فكر يمجّد النفس. لو تحقّق ذلك، وخدَمْنا الرّب بكلّ تواضع، سنكون مباركين.

 ليت هذه تكون رغبتنا القويّة، لأنها المدخل إلى عمق أكبر وإلى خدمة صالحة للمسيح.

AddToAny