الدّخول إلى الجامعة: خطوة كبيرة نحو عالم جديد

الكاتب:
العدد:
السنة:

هل من أمور يتعلّمها الطّالب الجامعيّ غير تلك الأكاديميّة؟

دروس من مدرسة الحياة في شهادة شابّة جامعيّة في بيروت

 

إنّ الحياة عبارة عن مراحل عديدة نمرّ فيها، لا بل هي رحلة في حدّ ذاتها، تزيّنها تلك الخطوات الّتي نقوم بها.  ولعلّ أكبر خطوة نخطوها، وأكثرها خطورة، هي انتقالنا من المدرسة إلى الجامعة.  إنّها خطوة تتضمّن الكثير من التّغيير؛ عندما نترك ذاك المذود الاجتماعيّ الّذي قدّم لنا الحماية لفترة طويلة، وندخل إلى عالم جديد أكبر وأقدم وأسرع منّا؛ وعندما ننتقل من حياة المراهقة إلى مرحلة الرّشد، فنحن نخطو خطوة كبيرة جدًّا نحو الارتقاء.

أذكر اليوم الأوّل الّذي دخلت فيه الجامعة، عندما كانت أحلامي وأهدافي وتوقّعاتي أكبر من أن تسعها الجامعة نفسها.  وفيما كنت أعتقد أنّني مستعدّة وجاهزة لأيّ أمر طارئ أو تحدٍّ قد يواجهني، ارتعدت قدماي عند أوّل عائق تعثّرتا به.  يبدو أنّ عينيَّ كانتا تنظران بعيدًا نحو الغيوم، فنسيتُ أنّ قدميَّ كانتا لا تزالان على الأرض، معرّضتين للانزلاق والتّعثّر.  إنّها سنتي الأخيرة لنيل شهادة البكالوريوس، وقد تعلّمت الكثير في سنوات دراستي الجامعيّة الّتي حوّلتني من فتاة يانعة وطموحة إلى شابّة أكثر تهذيبًا وعِلمًا.  وعلى الرّغم من ذلك، لم أفقد حماستي، ولم أُشبِع عطشي إلى العلم، ولكن ما زال أمامي الكثير لأتعلّمه.  لقد علّمتني السّنوات الثّلاث الأخيرة في الجامعة أكثر بكثير ممّا تعلّمته في الكتب، ورأيت أشياء، واختبرت أمورًا أعتبرها قد هيّأتني لاتّخاذ خطوة أكبر نحو العالم الحقيقيّ.

إنّ نظام الجامعة أشبه بحزام نقل البضائع أمام صندوق القبض في السّوبرماركت، يندفع باستمرار ولا ينتظر أحدًا.  وقد استغرقتُ وقتًا طويلاً للتّأقلم مع هذا النّظام، ولكنّني بعدها صرت قادرة على رؤية مدى فائدة العمل السّريع؛ فالوقت من ذهب.  لقد أُلقِيَت عل عاتقي، وبشكل مفاجئ، مسؤوليّة شخصيّة، ولم يكن إلى جانبي مَن يهتمّ بي؛ كان عليّ أن أتسجّل في الجامعة، وأن أهتمّ شخصيًّا بتقديم الأوراق والعلامات ضمن مهلة زمنيّة محدّدة، وليس مَن يُساعدني، لا أمّي ولا أبي ولا أحد أقاربي أو أنسبائي، بل كان الأمر عائدًا إلَيّ في أن ألحق ركب هذا النّظام الجديد والسّريع.  لقد اكتشفت أنّ الحصول على حرّيّتي هو أكثر من مجرّد الحصول على هاتف خاصّ بي، أو حتّى سيّارة. 

ولكن، لم يكن تحمّلي للمسؤوليّة الأمر الوحيد الّذي واجهني للمرّة الأولى، بل أيضًا الأشخاص الّذين كنت أشاركهم حياتي اليوميّة.  لقد كانوا أشخاصًا مختلفين، فهم لم يشكّلوا يومًا جزءًا من طفولتي، أو عائلتي، أو مجتمعي.  بعضهم من ثقافات مختلفة، وبعضهم الآخر يختلف عنّي في خلفيّته ونمط حياته العائليّة.  وكمسيحيّة مؤمنة، شعرت بأنّي أختلف عن كثيرين ينتمون إلى طوائف دينيّة مختلفة ومذاهب أخرى، وبأنّي بعيدة عنهم؛ فهم يتبعون فلسفات لم أسمع بها من قبل.  وعلى الرّغم من شعوري بالارتباك في دوّامة التّنوّع والاختلاف هذه، تعلّمت أنّ الله خلق هذا التّنوّع ليُلوِّن به العالم.  فكثيرون لا يعرفون الرّبّ يسوع ولا قوّة خلاصه، وقد رأيت في ذلك فرصة لأخدم الرّبّ وأُبشّر النّاس برسالة الفرح الّتي اختبترها بنفسي.

لقد اكتشفت، مع مرور الوقت، أنّ التّعرّف إلى النّاس أمر ممتع، وأنّ عليّ تعلّم الكثير منهم.  وفي المقابل، التقيت أناسًا لم يكن عندهم أيّ شيء إيجابيّ يقدّمونه، وتعلّمت أن أبتعد عن الفلسفات الدّنيويّة الّتي يُحذّرني منها الكتاب المقدّس، وأن أحمي نفسي منها.  فكثير من الأصدقاء والأساتذة كان يطرح عقائد ونظريّات تتعارض مع تعاليم الكتاب المقدّس، وقد علّمني الرّبّ أن أقف بثبات ورسوخ في كلمته الحقّة، وأن أفرّق بين ما يعتقده العلم والفلسفة وما يُعلِّمه الكتاب المقدّس.

وممّا تعلّمته أيضًا، أنّ عليَّ قبول اختلاف الآخرين عنّي في المجتمع، فبعضهم يعيش في بحبوحة مادّيّة أكثر منّي، وبعضهم الآخر يعاني من ضائقة.  وعندما ذهبت لأدفع رسم التّسجيل، وقفت في الصّفّ لساعات طويلة، كما آخرين غيري، لتعبئة طلبات المنحة الماليّة، بينما كان بعض أصدقائي يدفع الرّسم كاملاً عبر شيكّات.  هذا الأمر جعلني أكثر امتنانًا لحصولي على العلم.

إنّ خطوتي الكبيرة في هذا الإعصار من الاختلافات والتّمييز صقلت شخصيّتي، وجعلتني أكثر بلوغًا ممّا كنت في سنتي الأولى في الجامعة.  لقد رفعتني إلى فوق بمساعدة الرّبّ يسوع، ولم أتذمَّر من أيّة صعوبة وضعها الرّبّ في طريقي، جديدة كانت أم قويّة.

إنّ نصيحتي، من خلال تجربتي، لكلّ الذّين يستعدّون لاتّخاذ خطوة كبيرة كهذه، أن يسلِّموا أنفسهم للرّبّ يسوع الّذي سيُزيل من أمامهم كلّ عائق وسيفتح كلّ طريق مسدود، عندما يُمسكون بيده ويسيرون معه في كلّ خطوة جديدة في هذه الحياة.