الرّضى الداخليّ: هل بإمكاننا الحصول عليه؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

يهتمّ معظم النّاس بإظهار أنفسهم بطريقة تُكسِبُهم الاحترام والتّقدير. فيعملون بجهد لاقتناء الممتلكات ولِبس الثّياب الأنيقة والحصول على المناصب وتحقيق النّجاح، علَّهم يجدون لأنفسهم مكانًا راقيًا في المجتمع. ويظنّ هؤلاء أنَّ هذه الأمور تُنعِم عليهم بالشّعور بالرّضى، يينما الحقيقة الّتي اختبرها كثيرون هي أنَّ نظرة الإنسان إلى نفسه هي مصدر سعادته أو تعاسته. يقول سليمان الحكيم عن الإنسان إنّه "كما شَعَر في نفْسهِ هكذا هو" (أمثال 7:23). لذلك، يشعر الإنسان، في ساعات الخُلوة والوحدة، بالحزن واليأس بسبب عدم رضاه عن نفسه، فتنهار ثقته بنفسه تدريجيًّا. إنّ واقع النّفس في الغُرفة المُغلقة هو الحقيقة المكشوفة لصاحبها وحده. وبعيدًا عن الأكاذيب والادّعاءات، فالإنسان ليس أكثر من تراب لا يعلم من أين أتى ولا إلى أين يذهب، ويلفّ حياته الضّعف. هو لا يعلم مَنْ أتى به إلى هذه الأرض، ولا يعلم لماذا هو موجود هنا. فكيف يكون له ثقة بنفسه ورضى داخليّ ثابت وهو ليس له سلطان مطلق على حياته، ولا على الظروف المحيطة بها، والّتي ساهمت بجعله ما هو عليه؟ السّؤال الأهمّ هو: هل يمكن لهذه النّفس البشريّة الهشّة أن تنعم بالرّضى بشكل عميق ودائم؟

الإيمان بالله الخالق الحكيم هو شرط أساسيّ للاقتراب من معرفة جواب مقنع عن هذا السّؤال. فالله وحده هو من أوجَدَ هذه النّفس مُنذ البَدء، وهو مَن يستمرّ في إحيائها، وهي بالتّالي ثمينةٌ وعزيزةٌ عنده، كما قال بولس: "واثِقًا بهذا عَيْنه أنّ الَّذي ابْتدأ فيكُمْ عَمَلاً صالِحاً يُكَمِّل إلى يوْم يَسُوعَ الْمَسيح" (فيلبي 6:1). أمّا التّسليم لحكمته الصّالحة ولقدرته الفائقة، فيسمح له بأن يعمل في أنفسنا أمورًا عظيمة ومفيدة وجميلة مهما كانت الظّروف. فالله هو صاحب السّلطان وهو يعمل خارج الظروف وعبرها، "لأنّ الله هو العامِل فيكُمْ أنْ تُريدوا وأنْ تَعْمَلوا منْ أجْل المسَرّة" (فيلبّي 13:2). ويعمل فينا الله لنختبر الحبّ الأعظم في الوجود الذي قدّمه الرّب يسوع على الصّليب، ليشفي النّفس من الخطيّة ويحرّرها ممّا يُتعبها ويُعِدّها للحياة الأبديّة. مَن يبحث عن الرّضى الداخليّ في ذاته أو في لذّاته سيفشل حتمًا، لأنّه كائن مائت لا يملك في داخله الحياة إلى ما لا نهاية، أمّا مَن يؤمن بالمسيح الفادي ويقدّم له ذاته سينجح في أن تكون له الحياة، كما وعد يسوع: "مَنْ وجَدَ حَياتَه يُضيعها ومَنْ أضاعَ حَياتَه من أجْلي يَجدها" (متّى 39:10). وكما أنَّ الغصن لا يأتي بثمر من ذاته إلا إذا ثبُتَ في الكرمة الحقيقيّة، كذلك الرّضى الدّاخليّ لا يأتي بإبهار الآخرين بل باتّباع المسيح. لا يكفي أن يكون الإنسان إيجابيًّا ويُقنع نفسه "أنا أنعم بالرّضى الدّاخليّ"، بل عليه أن يكون صادقًا وواقعيًّا ويضع نفسه بين يدي القدير ليكون له اختبار الرّضى العميق.