الرّوح القدس في إنجيل يوحنّا

الموضوع:
العدد:
السنة:

يُعتبر إنجيل يوحنّا إنجيلاً فريداً ومميّزاً عن غيره من الأناجيل الإزائيّة وذلك من عدّة نواحٍ، فهو يطرح بقوّة موضوع ألوهيّة المسيح، ويشدّد بشكل خاصّ ودقيق على شخص الله الرّوح القدس وعمله.  كما أنّ ذكر موضوع الرّوح القدس فيه يفوق ذكره في الأناجيل الثّلاثة الباقية كلّها.  واللاّفت في هذا الأمر هو أنّ معظم الكلام على الرّوح القدس كان للمخلّص، الرّبّ يسوع نفسه.

تجديد الرّوح القدس (يوحنّا 3: 5-8)

في الإصحاح الثّالث من إنجيل يوحنّا، يتكلّم الرّبّ يسوع مع نيقوديمس الشّديد التّديّن على ضرورة الولادة الجديدة، أو التّجديد بالرّوح القدس.  لقد أوضح يسوع له أنّه يحتاج إلى الولادة الثّانية، وهي اختبار تعجز الطّبيعة البشريّة عن فعله.  قال يسوع: "يَنبَغي أنْ تُولَدوا مِن فَوق" (العدد 7).  ونلاحظ في كلمات الرّبّ يسوع أنّ التّجديد، أو اختبار الولادة الجديدة، هو عمل الرّوح القدس.

التّجديد هو عمل خاصّ "بالرّوح القدس"، لأنّ الطّبيعة البشريّة السّاقطة لا تستطيع أن تُنتِج إلاّ "جسداً"، كما يقول يسوع: "المولود مِنَ الجَسَد جَسَدٌ هوَ والمولود مِنَ الرّوح هو روح" (6).  وقد فسّر يسوع لاحقاً أنّ: "الرّوح هو الّذي يُحيي.  أمّا الجسدُ فلا يُفيدُ شيئاً" (يوحنّا 6: 63).  إذاً، الولادة من فوق تتطلّب قوّة من خارج الإنسان تعمل فيه وتُغيّره، ألا وهي قوّة الرّوح القدس.

بالإضافة إلى ذلك، إنّ الولادة الجديدة هي عمل الرّوح القدس ذي السّيادة المُطلقة.  ففي العدد الثّامن من الإصحاح الثّالث، يشبّه الرّبّ يسوع عمليّة التّجديد بقوّة الرّيح.  فكما أنّ الرّيح تتحرّك بقوّة لا تُقاوَم، وتهبّ متى تشاء وحيث تشاء، كذلك يعمل الرّوح القدس في أرواح النّاس في أثناء عمليّة التّجديد.

وقد أوضح المسيح أيضاً أنّ التّجديد هو عمل الرّوح القدس الخلاصيّ، الّذي يقوم، بفعل نعمة الله، بنفخ الحياة في النّفس الميتة، فيقودها إلى قبول عمل المسيح الكفّاريّ بالإيمان (يوحنا 3: 14-18)، ممّا يقود الإنسان إلى اختبار الولادة الثّانية من فوق "فيرى ملكوت الله ويدخله"، كما يقول الرّبّ في يوحنّا 3: 3 و 5.  إذاً، الرّوح القدس لا يقوم بعمل خاصّ مُنعزل عن عمل ابن الله، إنّما يهدف إلى قيادة المولود ثانية إلى قبول المسيح المصلوب.

كذلك، يُشير يسوع لاحقاً الى أنّ تجديد النّفس بالرّوح هو عملٌ تقديسيّ.  وهذا ما نفهمه ضمناً في العدد 6 "المولود من الرّوح هو روح".  فإذا كان التّجديد قد حصل فعلاً في نفس الإنسان، فلا بدّ من أن تظهر آثار النّعمة وثمارها في حياته.  لنلاحظ مجدّداً مَثَلَ هبوب الرّيح، حيث يمكن رؤية تأثير الرّياح وقوّتها على الرّغم من كونها غير مرئيّة بحدّ ذاتها.  كذلك بالنّسبة إلى حياة المولود من الله، فالخطيّة لم تعد تتملّكه وتسود عليه، لقد أصبحت أمراً مكروهاً.  وعلى الرّغم من أنّها ما زالت في جسده، إلا أنّ الإنسان المتجدّد لم يعد خاضعاً لسيطرتها.  صحيح أنّ الخطيّة قويّةٌ، لكنّها لا تستطيع أن تُهَيمِن على الإنسان بعد تجديده، وأن تُخضِعه لسيادتها الكاملة المطلقة.

قبول الرّوح القدس (يوحنا 7: 37-39)

تكلّم الرّبّ يسوع أيضاً في إنجيل يوحنّا على موضوع قبول الرّوح القدس.  ففي يوحنّا 7: 37-39 يقول يسوع إنّ قبول الرّوح القدس يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإيمان بشخصه.  فالنّفس المولودة من جديد تؤمن بالمسيح لتَخلُص، وذلك عندما يقوم الرّوح القدس بعملٍ آخر ألا وهو "تَبكيت" النّفس على خطاياها وقلّة بِرِّها، مُنذِراً إيّاها بالدّينونة كما يقول يسوع في يوحنّا 16: 8.  الفعل المستخدَم "يُبكِّت" يعني يَدين، أو يَتَّهِم بارتكاب جرم، وهو يحمل في طيّاته صورة مُتَّهمٍ يقف أمام قاضي التّحقيق للاستجواب بهدف إثبات إدانته.  كذلك، عند إحضار النّفس أمام المسيح، يقوم الرّوح القدس بدور قاضي التّحقيق فيتّهم النّفس ويدينها.  فهو يُشير إلى الخاطئ، ويُصدر الحكم بحقّه صارخاً في وجهه: "مُذنِب!"  عندها تُقاد النّفس إلى يسوع للحصول على الرّحمة.  وعندما يلجأ الخاطئ "المُبكَّت" إلى المسيح بالإيمان، يأتي الرّوح القدس، ويمكث في قلبه، ويفصله عن العالم الشّرّير (يوحنّا 14: 17).  فيقبل المؤمن الرّوح القدس الّذي يمكث فيه إلى الأبد، في حين أنّ غير المؤمن لا يستطيع قبول روح الله.

سكنى الرّوح القدس (يوحنّا 14: 16-18؛ 16: 7)

يتّخذ الرّوح القدس من شعب الله مَسْكناً له.  يصف "سي. آر. فون" مكوث الرّوح القدس في المؤمن، في كتابه "عطايا الرّوح القدس"، بالقول إنّ الرّوح القدس يسكن، مع المؤمن، في المنزل ذاته دائماً.  قال يسوع عن الرّوح: "إنّه ماكثٌ معكم ويكون فيكم" (يوحنّا 14: 17).  ويؤكّد بولس الرّسول أنّ أجسادنا هي "هيكلٌ للرّوح القدس" (1كورنثوس 3: 16)، فقد أرسله الابن من الآب ليمكث فينا (يوحنّا 15: 26).  يمكث الرّوح في قلب المؤمن كمُعَزٍّ يقف إلى جانبه ليُعينه.  إنّه "الباراكليتوس" (المعزّي) الإلهيّ القدّوس، هو الّذي يقوّينا ويساعدنا ويشدّدنا، وهو يضمن حماية المنزل، لأنّه أقوى من إبليس الذي يُهدّدنا، فنحن لم نُترك يتامى لنناضل بمفردنا، بل إنّ نائب المسيح الحقيقيّ، الرّوح القدس، الموجود معنا يساعدنا.  إنّ سُكناه الشّخصيّ داخل المؤمنين هو ضمانة سلامتهم الأكيدة.  صحيح أنّ إبليس قويّ، لكنّه لا يستطيع أن يغلب روح الله الحيّ السّاكن في النّفس البشريّة المُخلَّصة والمُتجدِّدَة ليُرشدها ويُعزّيها ويُحامي عنها.  إنّ المؤمن يفرح ويقول: "أبتَهِلُ ليلاً نهاراً وأنا أمشي في طريق سياحتي لأنّ المعزّي يمكث معي". 

على الرّغم من أنّ كلمة معزّي تحمل في طيّاتها فكرة المواساة في وقت الضّيق، إلاّ أنّها تتعدّاها إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ إنّ الرّوح القدس يعطي التّعزية والعون والتّشجيع والسّلام لأبناء الله.  علينا أن نتذكّر أنّ الرّبّ تكلّم على المعزّي في وقتٍ كان فيه التّلاميذ بأمَسّ الحاجة إلى السّلوان والبهجة، في وقت كان الحزن فيه قد ملأ قلوبهم، بعد أن أخبرهم عن انطلاقه من وسطهم (يوحنّا 16: 6-7).  كانوا ساعتئذٍ بأمسّ الحاجة إلى كلام يُطمئنهم اعتادوا على سماعه: "لن أَترُكَكُم يَتاَمى" أي "لن أترككم من دون تعزية".  لقد أكّد لهم أنّ مكوث الرّوح معهم سيكون تعويضاً عن غيابه الجسديّ عنهم، فهو سيكون فعليّاً معهم ويُعزّيهم دوماً.  كتب "أوكتافيوس وينسلو": "كما كان الرّوح القدس معزّياً للتّلاميذ الحزانى، هكذا كان عبر العصور المتلاحقة، ولا يزال أيضاً في الوقت الحاضر، وسيبقى كذلك إلى آخر الأيّام - المعزّي الشّخصيّ الماكث مع عائلة الله المتألّمة".

إعلان الرّوح القدس (يوحنّا 14: 26؛ 16: 13-15)

إنّ موضوع الرّوح القدس، كما تكلّم عليه الرّبّ في إنجيل يوحنّا، يتضمّن أيضاً عمل الإعلان الّذي يقوم به.  أشار يسوع إلى أنّ عمل الرّوح هو كشف الحقّ لشعبه وإعلانه.  وهناك وجهان أساسيّان لهذا العمل: أوّلاً، عمل الرّوح القدس في إعلان المكتوب (يوحنّا 16: 13)؛ فالرّوح يستخدم كلمة الله ليُرشد شعبه ويُعلّمه (يوحنّا 14: 26).  ثانياً، هدف إعلان الرّوح القدس، أو الموضوع الّذي يريد إظهاره، ألا وهو المخلّص، الرّبّ يسوع، (يوحنّا 14: 26؛ 16: 13-14)؛ فروح الله يُعلِن المسيح لقَلْب المؤمن، وعمله الخاصّ هو تمجيد مسيح الله.  وإنجيل يوحنّا يُقدّم في طيّاته توضيحاً لحقيقة المسيح: فهو بأكمله يتكلّم عليه ويشهد له (يوحنّا 15: 26).  فهدف الرّوح القدس الأعظم هو تمجيد الرّبّ يسوع.  في يوحنّا 16: 14 قال المسيح عن الرّوح: "ذاك يُمجِّدني".

عمل الرّوح القدس في إعلان المسيح ممثَّلٌ بشكل واضح في خدمة يوحنّا المعمدان، الّذي كان يمتلئ بالرّوح القدس وهو بعد في بطن أمّه (لوقا 1: 15).  ويُوضِّح الرّسول يوحنّا في إنجيله أنّ الغاية الثّابتة من كرازة يوحنّا المعمدان كانت الشّهادة للمسيح واقتياد النّاس إليه لتمجيده (يوحنّا 1: 6-8، 29؛ 3: 30-36؛ 10: 41).  ومن دون أدنى شكّ، لقد كانت خدمة يوحنّا المعمدان، خدمة ممسوحة من الرّوح القدس.  وعلينا، في يومنا هذا، أن نستخدم المقياس نفسه لامتحان النّاس ولتمييز الخدمات، عالمين أنّ خدمات الرّوح القدس الحقيقيّة تمجّد المسيح يسوع.

أكّد مرّةً كاتبٌ "بيوريتانيّ"، أنّ الرّوح القدس هو الأقنوم الإلهيّ الأقلّ شهرةً ومحبّةً وعبادةً ضمن الثّالوث القدّوس.  إذا كان ذلك صحيحاً، فلربّما يجب أن تقوم الكنائس المسيحيّة بالتّركيز بشكل أكبر على قراءة إنجيل يوحنّا ودراسته.  فدراسته تُكسب شعب الله معرفة أعمق ومحبّة أكبر للرّوح القدس.  وليس ذلك فقط، إنّما تقودهم إلى إدراكٍ أعظم وملاحظةٍ أفضل لعمل الرّوح القدس في حياتهم الشّخصيّة، الأمر الّذي سيدفعهم حتماً إلى تمجبد المسيح.