الزّوجات الأربع

العدد:
السنة:

يُحكى أنّ رجلاً تزوّج أربع نساء.  التصق بالأولى وقدّم لها الأفضل من طعام وكساء واهتمام.  تعلّق بالثّانية وأحاطها بكلّ عناية خوفًا من خسارتها، إذ ساوره شعور داخليّ بأنّها يومًا ما ستصبح لغيره.  أمّا زوجته الثّالثة، فمع أنّه أحبّها أقلّ من الأولى والثّانية، فقد وثق بها عالِمًا بأنّها تحبّه وتغار عليه وتسنده عند الحاجة.  وفيما كانت المرأة الرّابعة المسكينة تحبّه حتّى الموت، فقد أهملها ولم يكن لها في قلبه مكانة أو محبّة أو احترام.  كلّ ما فعله من أجلها كان محصورًا بإطار الواجب المحض.

          مرض الرّجل يومًا، وشارف على الموت، وأصابه هلع شديد؛ فنادى امرأته الأولى وقال لها: "يا قرّة عيني، يا مَن أعطيتها الأفضل والأحسن والأجمل، إنّي مريض وسأموت؛  أنا خائف من الذّهاب وحيدًا، هل ترافقيني إلى ما بعد القبر؟"  أجابته بسرعة: "لا، اذهب بمفردك!".  فتوجّه إلى الثّانية، فردّت بجفاء واستعلاء: "لَنْ أذهب معك!  واعلم يقينًا أنّك حالما تغادر هذه الحياة لن أتأخّر عن أن أكون لغيرك".  ملأ الحزن قلبه، وتطلّع إلى الثّالثة وهو يرجو قائلاً: "يا عزيزتي، يا مَن وثِقتُ بكِ العمر كلّه، يا مَن ساعدتِني في كلّ ظروفي الصّعبة، هلاّ ترافقينني في رحلة الموت؟"  فجاء جوابها كالصّاعقة: "يا عزيزي، لقد أحببتك وساندتك، وسوف أرافقك، ولكن إلى حدود القبر فقط؛ لا تأمل أكثر من ذلك!"  أحنى الرّجل رأسه بيأس، وفي تلك اللّحظة سمع صوت زوجته الرّابعة، الّتي أهملها العمر كلّه، تقول بالفم الملآن: "أنا سأذهب معك يا حبيبي!  اتّكل عليَّ، فسأكمل المشوار معك إلى النّهاية".

          هذه قصّة وهميّة، إلاّ أنّها تجسّد واقعًا حقيقيًّا.  إنّها قصّة كلّ إنسان.  كلّ واحدٍ منّا مقترن بأربع.  الأولى هي أجسادنا الّتي نقدّم لها الغالي والنّفيس، ولكنّها مع الأسف تغادرنا لحظة الموت.  يقول الكتاب المقدّس: "وبِدونِ جَسَدي أرى الله".  الزّوجة الثّانية هي ممتلكاتنا، تلك الّتي نخاف عليها، فنصونها ونعتني بها معظم أيّام عمرنا، أمّا هي، فتنتقل لحظة وفاتِنا لتصبح لآخرين.  تقول كلمة الرّبّ: "واضِح أنَّنا دَخَلْنا العالَم بِدونِ شَيء وسَنَخرُج مِنه بِدونِ شَيء".  أمّا الزّوجة الثّالثة، فهي عائلتنا الّتي نحبّ، وبها نثِق، وإليها نلجأ في كلّ الظّروف.  عند الموت، تصل معنا إلى حدود القبر وتبكي علينا وتحزن لفراقنا ثمّ تودّعنا وتغادرنا.  يقول الكتاب المقدّس: "ويُعطي الإنسان حِسابًا عَن نَفسِه".  الزّوجة الرّابعة هي أرواحنا الّتي نُجوِّعها ونُتعبها ونَضغط عليها على حساب راحة الزّوجات الأخريات.  إنّها الجزء الّذي يتحمّل ويصبر وينتظر، لكنّه لا يخون، وسيرافقنا إلى ما بعد حدود القبر.  يقول الكتاب المقدّس: "وتَرجِع الرّوح إلى خالِقِها الّذي خَلَقَها".

          صديقي القارئ، روحك الخالدة لها حقّ عليك.  لا تهملها، بل غذِّها بالطّعام الرّوحيّ الّذي هو كلمة الرّبّ، واكسِها بثياب الخلاص الّذي هو بِرّ المسيح، ووفِّر لها كنزًا في السّماء الّذي هو إيمانك بالمسيح ومحبّتك له.  قال الرّبّ يسوع: "ماذا يَنتَفِع الإنسان لَو رَبِحَ العالَم كلّه وخَسِرَ نَفسَه؟"