السّؤال: متى آمن الرّسل أنّ يسوع هو ابن الله؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

إنّه سؤال جيّد، ولكن قبل الإجابة عنه لا بُدَّ من أن نُعرّف ما معنى العبارة "ابن الله" كما طُبّقت على يسوع.  هناك ناحيتان في العبارة "ابن الله"، وقد يكون التّلاميذ آمنوا بأنّ يسوع هو "الإبن" قبل أن يؤمنوا بأنّه "ابن الله". 

من النّاحية الأولى، إنّ عبارة "الابن" أُخِذَت من نبوّات العهد القديم، واستُخدِمت لتُشير إلى المسيّا المنتظَر.  فوعد الله كان أنّه يأتي من نسل داود مَنْ يرث العرش ويملك إلى الأبد.  ويقول الآب عن هذا الملك الداوديّ: "أنا أكونُ لهُ أباً، وهو يكونُ ليَ ابناً" (2 صم 7: 14)، ويقول أيضاً: "أنا أيضاً أجعلُهُ بِكْراً، أعلى من مُلوكِ الأَرضِ" (مز 89: 27).  طبعاً هذا وصف الرّبّ يسوع في مُلكِهِ القادم، كما قال الملاك جبرائيل للعذراء مريم: "هَذا يَكونُ عَظيماً، وابنَ العَليِّ يُدعَى، ويُعطيهِ الرّبُّ الإِلهُ كُرسيَّ داودَ أبيهِ، ويَملِكُ على بَيتِ يَعقوبَ إلى الأَبدِ، ولا يَكونُ لمُلكِهِ نِهايَة" (لو 1: 32-33).

كما يبدو، أنّ التّلاميذ الإثني عشر قد اقتنعوا باكراً في بداية سيرهم مع يسوع أنّه "ابن الله"، أي أنّه المسيّا المنتظَر.  وكلّنا يعرف أنّ رسل المسيح كانوا قبلاً من تلاميذ يوحنّا المعمدان، الّذي سبق المسيح (يو 1: 35-37)، فالمعمدان عندما رأى الرّوح القدس ينزل على المسيح بشكل حمامة وسمع صوت الآب يقول: "هَذا هوَ ابني الحَبيب، لَهُ اسْمَعوا"، تحقّق أنّ يسوع هو المسيح، وأعلن لأتباعه: هَذا هوَ "ابنُ الله" (يو 1: 34)، فقام تلاميذه وتركوه وتبعوا يسوع. 

فيما بعد نرى أندراوس يُخبر أخاه سمعان بطرس: "قَد وَجَدنا مَسِيّا الّذي تَفسيرُه: المسيح"     (يو 1: 41).  وبعد وقت قصير جدّاً، يجد فيلبّس صديقه نثنائيل ويقول له: "وَجَدنا الَّذي كَتَبَ عَنهُ موسَى في النّاموسِ والأَنبِياء" (يو 1: 45).  وعندما التقى نثنائيل بيسوع، قال له: "يا مُعلِّم، أنتَ ابنُ الله! أنتَ مَلِكُ إسرائيل!" (يو 1: 49).  وعلى الرّغم من هذه التّصريحات بأنّ يسوع هو "ابن الله"، فقد يجوز أنّ الرّسل لم يفهموا المعنى الكامل لهذا اللقب، في البداية. 

إلاّ أنّهم مع الوقت بدأوا يفهمون أنّ العبارة "ابن الله" تعني: أنّه هو شخصيّاً "الله".  مَنْ يدرس الكتاب المقدّس يعرف أنّ العبارة "ابن الله"، حملت من البداية فكرة كون المسيح إلهاً.  فعندما بشَّر الملاك جبرائيل مريم، تفاجأت بموضوع حبلها وهي عذراء، وسألت: "كَيفَ يَكونُ لي هَذا وأنَا لَستُ أَعرِفُ رَجُلاً؟" أجابها الملاك: "الرُّوحُ القدُسِ يَحِلُّ عَلَيكِ، وقُوَّةُ العَلِيِّ تُظلِّلُكِ، فَلِذَلِكَ أيضاً القُدّوسُ المَولودُ مِنكِ يُدعَى ابنَ اللهِ" (لو 1: 35).  أمّا وعي يسوع علاقته الجوهريّة والمُميّزة مع الآب، فيعود إلى مراحل مُبكّرة من حياته الأرضيّة (لو 2: 49)، على الرُّغم من أنّ هذا الوعي قد ازداد وضوحاً مع نموّه عبر الأيّام (لو 2: 52).

قد يكون أنّ أعداء يسوع فهموا ادّعاءه الألوهيّة قبل تلاميذه.  فمن البداية، فَهِم إبليس والأرواح الشّرّيرة أنّ يسوع، "كابن الله"، كان أكثر من إنسان، وأكثر بكثير من مَسِيّا، إذ لا يُمكن لمُجرّد إعطاء لقب "المسيّا" ووظيفته لشخص أن يتمكّن من تحويل الحجارة إلى خبز (لو 4: 3)، أو أن يُعذّب الأرواح الشرّيرة (مر 5: 7)، ما لم يكن "ابن الله".  حتّى أنّهم فهموا أنّ استخدامه لقب "ابن الله" هو لإظهار ألوهيّته.  فعندما دعا يسوع الآب قائلاً: "يا أبتاه"، رفع الفرّيسيّون والكتبة حجارة ليرجموه، لأنّهم فهموا أنّه يدعو نفسه ابن الله، "مُعادِلاً نَفسَهُ بالله" (يو 5: 18؛ 10: 33).  حتّى أنّ الضابط الرّومانيّ الّذي أشرف على عمليّة صلبه استنتج قائلاً: "حَقّاً كانَ هَذا الإِنسانُ ابنَ اللهِ! " (مر 15: 39).

هكذا نرى، أنّ الرّسل الّذين آمنوا من البداية بأنّ يسوع كان "المسيّا"، كانوا بطيئين في فهمهم أنّه كان "ابن الله" بمعنى أنّه "الله شخصيّاً".  وهم يُعذَرون لبطء استيعابهم هذه الحقيقة بسبب خلفيّتهم اليهوديّة الملتزِمة بعقيدة التّوحيد الصّرف (أي الإيمان بأنّه هناك إله واحد فقط)، والّتي منعتهم من فهم هذا السرّ العميق والعسير الفهم، المتعلّق بالثّالوث، (أي أنّ الله موجود بثلاثة أقانيم).  وقد يكون أنّ أوّل برهان علنيّ لإيمان التّلاميذ بيسوع أنّه ابن الله، "الإلهي"، كان عندما صرّح بطرس: "أنتَ هوَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحيِّ!" (متى 16: 16).  وهذا التّصريح حصل في السّنة الأخيرة لخدمة يسوع، وذلك قبل بضعة أشهر أو حتّى أسابيع من صلبه.  وعلى الرّغم من كون بعض العلماء يرون أنّ تصريح بطرس عن المسيح بأنّه "ابن الله"، لا يعني أكثر من اعترافه به أنّه "المسيّا المنتظَر".  إلاّ أنّ يسوع مدحه قائلاً له إنّ استخدامه لعبارة "ابن الله" كان بإعلان إلهيّ جاءه من الآب، وأنّه لو تُرِك بطرس لوحده لبقي يؤمن ما آمن به التّلاميذ من البداية بأنّ يسوع هو المسيّا فقط، ولما اعترف بما هو أكثر من ذلك.

أمّا وعي التّلاميذ الكامل لهذه الحقيقة الّتي أُعلنت لبطرس، فقد حصل بعد قيامة يسوع من الأموات، الأمر الّذي أنهى حالة إرباكهم وضعف إيمانهم وتردّدهم وشكّهم، وثبّت فيهم الإيمان بأنّ يسوع هو "الرّبّ والله"، بحسب ما اعترف توما بالنّيابة عنهم: "رَبّي وإِلَهي!" (يو 20: 28).  أمّا يسوع، فلم يرفض اعتراف توما بألوهيّته، بل طوّب الّذين سيؤمنون به "ربّاً وإلهاً" بعدهم.  كذلك بولس الرّسول قال، فيما بعد، إنّ يسوع "تعيّنَ ابنَ اللهِ بقوّةٍ ... بالقِيامَةِ مِنَ الأمواتِ" (رو 1: 4).  ويوحنّا الحبيب، جعل الاعتراف بألوهيّة المسيح أساساً للإيمان الحقّ، إذ قال: "ونَحنُ في الحَقِّ في ابنِهِ يسوعَ المسيحِ: هَذا هوَ الإِلهُ الحَقُّ والحَياةُ الأَبَديّة" (1 يو 5: 20).

AddToAny