السّـــلام

الموضوع:
العدد:
السنة:

إنّ السّلام في العهد الجديد هو هِبة من المسيح (يوحنّا 14: 27، 16: 33؛ رومية 5: 1؛ فيلبّي 4: 7).  إمّا المعنى الكتابيّ للكلمة (في العهد القديم shalom، وفي العهد الجديد eirene) فهو يتضمّن الكمال، والاستقامة، والكلّيّة.  إنّها التّحيّـة الكتابيّة المُفضَّلة (تكوين 29: 6؛ لوقا 24: 36)، وموجودة في مطلع رسائل العهد الجديد أو نهايتها، باستثناء رسالتَي يعقوب ويوحنّا الأولى.  حتّى يومنا هذا، تُعتَبر هذه الكلمة من الكلمات الأكثر استخداماً بين السّاميّين.  وهي تُستعمل مراراً لتعبّر عن حقيقة شخص المسيح وإرساليّته وإنجيله، فالهدف من مجيء المسيح إلى العالم هو هِداية الأمم إلى السّلام الرّوحيّ مع الله (لوقا 1: 79، 2: 14، 24: 36؛ مرقس 5: 34، 9: 50).  وهي تُستعمل أيضاً للوداع عند الانصراف (1 صموئيل 1: 17).  وهي تعني التّوقّف عن الحروب (يشوع 9: 15)، وللتّعبير عن الصّداقة بين الرّفاق (تكوين 26: 29؛ مزمور 28: 3)، وعن العلاقة مع الله بواسطة العهد (عدد 25: 12؛ إشعياء 54: 10).

السّلام يتلازم مع كلّ ما يتعلّق بالفرح والطّمأنينة والسّعادة والسّكون (إشعياء 32: 17-18)، وبالصّحّة والازدهار والخير والأمان، كما الصّلح والابتعاد عن النِّزاعات (جامعة 3: 8، إشعياء 45: 7).  أشار النّبيّ إشعياء مراراً إلى أنّه لا سلام للأشرار (إشعياء 48: 22، 57: 21)، بالرّغم من محاولتهم المستمرّة في خداع نفوسهم بسلام زائف (إرميا 6: 14).

السّلام هو نتيجة التّحرّر من العداوات الدّاخليّة أو الخارجيّة، وهو الشّعور بالأمان من ناحية الأعداء الخارجيّين (إشعياء 26: 12)، كما الإحساس بهدوء القلب لمَنْ يعرف الرّبّ ويثق به (أيّوب 22: 21؛ إشعياء 26: 3).  السّلام هو هِبَة إلهيّة مُتكامِلة، وهو يُفرِّح قلب الرّبّ، ممّا يجعل القدّيسين يسعَون وراءه وينعمون به (مزمور 34: 14؛ زكريّا 8: 16-19).  السّلام يجب أن يكون الصّفة الّتي يجب أن يتحلّى بها المؤمن في العهد الجديد (مرقس 9: 50؛ 2 كورنثوس 13: 11)، والبَرَكة الأسمى الموعود بها  في زمن حُكم المسيح (إشعياء 2: 4، 9: 6-7، 11؛ ميخا 4: 1-4، 5: 5).

أمّا العبارة "الاحتفاظ بالسّلام" فهي تعني السّكوت (لوقا 14: 4).  والقول إنّ المسيح ما جاء ليلقيَ سلاماً بلْ سيفاً (متّى 10: 34) يدلّ على الصّراع والمعاناة في محاربة كافّة أنواع الخطيّة.  أمّا حياة المسيح المصوَّرة في الأناجيل، فهي حياة الهدوء المُهيب والصّفاء العظيم (متّى 11: 28؛ يوحنّا 14: 27)،  وجوهر الإنجيل يُعبَّر عنه بالسّلام (أعمال 10: 36؛ أفسس 6: 15)، الّذي يصير عبر المُصالحة مع الله (رومية 5: 1)، والشّركة معه (غلاطية 5: 22؛ فيلبّي 4: 7).

إنّ بركات المؤمن الّتي لا تُحصى تدور كلّها حول مفهوم السّلام.  فالإنجيل هو إنجيل السّلام (أفسس 6: 15)، كما المسيح هو سلام المؤمن الحقيقيّ (أفسس 2: 14-15)، والله الآب هو إله السّلام (أفسس 5: 23)، وامتياز المؤمن الشّخصيّ الّذي لا يُنزَع منه هو السّلام مع الله (فيلبّي 4: 9).  فالسّلام هو ميراثه الّذي أعطاه إيّاه المسيح من خلال موته الكفّاريّ (يوحنّا 14: 27، 16: 33).  هذه البركات ليست فقط بانتظار المؤمن في المجد الأبديّ، بلْ هي بركات يملكها ويستمتع بها في العالم الحاضر (رومية 8: 6؛ كولوسي 3: 15).  لذا فالسّلام هو مفهوم خاصّ بالمسيحيّة، ويُدركه المؤمن المُتيَقّن من خلاصه الشّخصيّ بالمسيح، الّذي يُعطي روحه للسّلام، ويُعطي الشّعور بالطّمأنينة وعدم الخوف من الله، فيفرح المؤمن ببركات الله الأرضيّة ويكتفي بها من أيّ نوع كانت.