السّياسيّ والجنس والدّينونة العتيدة

العدد:
السنة:

تزداد فضائح التّحرّش الجنسيّ بين قادة الدّول والموظّفين الكبار

ومَنْ يُنتظر أن يكونوا قدوة لرعاياهم، يُطرَدون من مناصبهم لدناوة سلوكهم الأخلاقيّ

السّياسيّ والجنس والدّينونة العتيدة

بينما نقرأ الكتاب المقدّس لا نستطيع إلاّ أن نتوقّف عند المواجهات الّتي كانت تحصل بين أنبياء الله ورسله والقادة والسّياسيّين، بسبب خطاياهم الجنسيّة والأخلاقيّة.  ففي القديم، واجه النّبيّ ناثان الملك داود الّذي زنى مع "بثشبع"، زوجة قائد جيشه.  ولتغطية هذه الخطيّة، كذب وقتل أيضاً.  أمّا يوحنّا المعمدان، فواجه الملك هيرودس من أجل "هيروديّا" زوجة أخيه فيلبّس الّتي أخذها عنوة.  وفيما تبدو هذه الخطايا شائعة بين أهل السّياسة والقادة والإداريّين، وهذا ما تُطالعنا به نشرات الأخبار يوميًّا عن قادة الدّول المُتّهمين بالتّحرّش الجنسيّ أو حتّى بالاغتصاب وغيرها من الخطايا، نرى من المُفيد جدًّا أن ندرس المواجهة الّتي حصلت بين الرّسول بولس والوالي "فيلكس" (أعمال 24). 

لقد قُبِض على بولس الرّسول بينما كان يُبشّر بيسوع المسيح، وافتُريَ عليه باعتباره كان يُثير الشّغب ويُحرِّض على الفتنة ويُناقض عوائد الدّين.  وعندما أودِع لدى الوالي الرّومانيّ "فيلكس" للمحاكمة، قدّم في دفاعه ما يؤمن به من عقائد تتعلّق بالمسيح وقيامة الأموات الأبرار والأثمة.  وإذ أعجِب "فيلكس" بما سمع، أراد "أنْ يعلَم بأكثر تحقيق أمور هذا الطّريق" (طريق المسيح)، فأمر أن يُحرَس بولس.  وكان يستحضره ليسمع منه أكثر فأكثر.  وذات يوم، أتى مع "دروسِّلا" امرأته، وهي يهوديّة، ليسمع بولس. 

ولكي نفهم الموضوع بعمق، لا بُدّ من أن نسأل: مَن هو "فيلكس"؟  ومَن هي "دروسِّلا"؟  لقد كان "فيلكس" في بدايته عبدًا حقيرًا، معروضًا للبيع في أسواق روما.  وذات يوم، مرّ القيصر "كلوديوس" في سوق العبيد، ورأى "فيلكس" الشّابّ الجميل والمفتول العضلات، فأمر سيّده بفكّه.  وأخذه القيصر معه إلى قصره، حيث اعتنى به وعلّمه وهذّبه، وأغدق عليه بالهدايا، ثمّ جعله حاكمًا رومانيًّا.  أمّا "دُروسِّلا"، فهي يهوديّة الأصل، وابنة الملك "هيرودس أغريباس الأوّل"، وشقيقة الملك "هيرودس أغريباس الثّاني".  زوَّجها والدها إلى "عزيز" أحد ملوك العرب، وفي إحدى المناسبات، تعرّفت إلى ذلك الشّابّ الجميل "فيلكس"، الّذي تمكّن، بمساعدة السّاحر "أتوموس"، من إقناعها بترك زوجها لتعيش معه حياة الفجور.  وكانت "دروسِّلا" زوجته الثّالثة!  كم احتاج الوالي الرّومانيّ وابنة الملك إلى الانضباط الأخلاقيّ إذْ كانا أسرى الأهواء الجنسيّة!

ويُخبرنا التّاريخ أيضاً بأنّ "فيلكس" كان رجلاً شرّيرًا، استمرّ سلطانه بحدّ السّيف، واستخدم العنف أكثر من باقي الحكّام، وسهّل للمجموعات المُسلّحة في قيصريّة أن تنهب وتسلب بيوت الأغنياء من أخصامه.  وكان مُحبًّا للرّشوة والمال، فلم يُطلِق بولس من سجنه لأنّه كان يرجو أن يعطيه دراهم مقابل حرّيّته.  هكذا، نرى أنّ "فيلكس" تورّط بخطايا شائعة بين السّياسيّين: وهي الزّنى والرّشوة والعنف. 

وها هو يستدعي بولس ليسمعه مُجدّدًا، وكانت "دروسِّلا" معه.  وكأنّ الوالي كان مُحبًّا للاّهوت والخطابة والثّقافة بشكل عامّ، واكتشف أنّ سجينه، الّذي سبق وخاطب الفلاسفة في مدرسة "آريوس باغوس" للفلسفة في أثينا، هو خير جليس يعرف منه الإيمان بالمسيح الّذي ذاع صيته في بلاد فلسطين.  أمّا بولس المملوء من الغيرة الرّوحيّة والفهم لحاجات الإنسان الحقيقيّة، فلَمْ يستطع أن يُبقي كلامه في عموميّات الدّين، بل "كانَ يَتكلَّم عنِ البِرِّ والتَّعفُّف والدَّينونَةِ العَتيدَةِ أنْ تَكون" فهذه حاجات مُستمِعيه.  لقد كان كلّ من "فيلكس" و"دروسِّلا" مُذنبَين أمام الله، ومنتهكَين لعفّتِهما، وبالتّالي هما يستحقّان دينونة الله.   

أمّا الرّسول بولس، فكان رجل الله عن حقّ، وكان يعرف ما يجب قوله.  فهو لم يشعر بأنّه يجب أن يكون ناعمًا ودبلوماسيًّا ليتجنّب شرّ "فيلكس" الّذي بإمكانه أن يُطلقه حرًّا، بلّ تصرّف بأمانة نحو مستمعيه المحتاجين لحياة البِرّ والعفّة لينجوا من دينونة الله العتيدة على الخطاة.  وإزاء فقدان العفّة والطهارة، في أيّامنا هذه، نسأل:  أين هم الوعّاظ الجريئون الّذين يوبِّخون النّاس والقادة على خطاياهم وزناهم ونجاستهم؟ 

إنّ مَن يُبشِّر بالمسيح عليه أن يدين الخطيّة، ويُنادي بالبِرّ والتّعفُّف والدّينونة العتيدة؛ فهذه حاجة جميع النّاس اليوم بمن فيهم السّياسيّين والقادة والموظّفين الكبار والصّغار، المنغمسين بالخطايا الجنسيّة وقلّة الأخلاق.  صحيح أنّ جسارة بولس الرّسول مدّدت إقامته في السّجن ومن ثمّ قادته إلى الموت، إلاّ أنّ رسالته المُدوِّيَة أرعبت "فيلكس"، فلم يستطع الوقوف، فيما بعد، أمام المُبشّر.

إنّها لخسارة ألاّ يتجاوب "فيلكس" مع دعوة الإيمان بالمسيح ليخلص من خطاياه.  يُخبرنا التّاريخ أنّه طُرِد من منصبه فيما بعد، وصار رمزاً للخزي وعدم النّزاهة.  ولكنّ الخسارة الأكبر تكون في رحيل "فيلكس" من هذه الحياة، وهو لم يتطهّر من خطاياه، ليقف أمام عرش الله الدّيّان العادل، حيث يسمع حُكم الدّينونة الأبديّ.  طبعًا، هذا ليس هدف بولس من بشارته، فهو أوضح أنّ الله يُريد لجميع الناس وكلّ مَنْ هو في منصب أن يُقبِل إلى المسيح ليخلص من خطاياه وتكون له القداسة والحياة الأبديّة