الشبيبة بين أحلام اليقظة وواقع الحياة

الكاتب:
العدد:
السنة:

لا شيء مستحيل، بل الكلّ مستطاع الوصول إليه! هكذا يتربّى النّاس في أيّامنا هذه على طموحات وأحلام لا تحدّها السّماء، ويُحلّقون بأحلامهم مُقادين بأمانيهم، إلى أن تصدمهم الحقيقة كسدّ منيع يظهر فجأة من العدم.

هذا النّوع من التّفكير ما هو إلاّ تحليق بالآمال بعيدًا عن أرض الواقع التي يجب أن تطأها أقدامهم. فكثيرون تمنّوا وحلَموا بأمور عظيمة هَوَت إلى الأرض ولم ينالوا منها شيئًا. لكن، هل يعني ذلك أنّ على المرء ألاّ يرجو ما هو أفضل، أو يفكّر في مستقبل أكثر ازدهارًا، أو يتمنّى معجزة ما؟ على العكس، فقد طلب الرّبّ يسوع من تلاميذه أن ينتظروا برجاء مجيء الرّوح القدس إليهم. لذلك، نتعلّم أنّ بإمكان الطّموح أن يرفع الإنسان أو أن يُسقطه.

لقد أصبح المراهقون اليوم أكثر واقعيّة، فما عادوا يصدّقون أنّهم سيعيشون سعداء إلى ما لا نهاية، كما تخبرهم حكايات الجنّ والقصص الخرافيّة. إلاّ أنّ واقعيّة هذا الجيل، وعلى الرّغم من أنّها أبقت أرجل المراهقين على الأرض، تركت ثقبًا تتسرّب منه أحلام اليقظة. إنّهم يصرفون الوقت في التّأمّل والتّفكير في أمور مستقبلهم، ويحسبون بدقّة متناهية أين يبنون قصورهم الفخمة، وكيف سيستثمرون أموالهم الطائلة الّتي سيجنونها من أعمالهم النّاجحة! وعلى الرّغم من أنّ هذا الأمر ليس مستحيلاً، إلاّ أنّ الدّراسات أظهرت أنّ عددًا قليلاً من هؤلاء الأشخاص تحقّقت أحلامه، وأنّ القسم الأكبر منهم يُصيبه الفشل وخيبة الأمل. وهذه الحقيقة تُصيب الكلّ من دون استثناء. فلكلّ إنسان طموح مختلف عن الآخر، وهو يحلم مهما كان عمره وما دام هناك غد. لذلك، فالكلّ معرّض لأن يُحمل بأفكار وأحلام غير واقعيّة.

واليوم، كثيرون يعتبرون أنّ لا شيء يمكن أن يقف في وجه تحقيق أهدافهم، طالما أنّهم يحصلون على تعليم أفضل ولديهم المال الكافي. ولكنّهم سرعان ما يصطدمون بحقيقة صعبة عندما يكتشفون وجود عوائق لم يحسبوا لها حسابًا ولم يتوقّعوها. فالعمل والثّروة يتوقّفان على تحقيق أحلامهم. لكنّ حقيقة قساوة هذه الحياة، والعراقيل الموجودة فيها، والّتي لم تذكرها يومًا قصص الأطفال، ما جعلها تتلاشى من عقول المراهقين وتفكيرهم، تقف عائقًا في وجه تحقيق "أحلام اليقظة". فالعِلم مُكلِف، والوالدون لا يزرعون المال ويقطفونه عن الشّجر، وسوف نتعرّض لمشاكل وعراقيل كثيرة في وظائفنا وأعمالنا، حتّى الطّرد أحيانًا، قبل أن نبدأ السّير في الطّريق الصّحيح نحو تحقيق أحلامنا.

إذًا، هل التّشاؤم هو البديل؟ بالطّبع لا، بل على العكس، فإنّ التّفاؤل الكثير المزيَّن بالواقعيّة والتّدقيق هو المفتاح لمستقبل مُشرق. هذا ما وعد به الرّبّ أبناءه في إرميا 29: 11 قائلاً: "لأنّي عَرَفتُ الأفكار الّتي أنا مُفتَكِر بها عنكُم، يقولُ الرّبّ، أفكار سلامٍ لا شرّ، لأُعطِيَكُم آخِرَةً ورجاء". لكنّ ذلك ليس من دون مقابل. يجب على الإنسان أوّلاً أن يوجّه طموحاته ورغباته نحو الثّقة بالرّبّ، طالبًا إرشاده وحكمته. فغالبًا ما كنّا نعتقد أنّنا نعرف ما هو الأفضل لنا، ونكتشف بعد ذلك أنّنا نسير نحو الهاوية. إنّ أبانا السّماويّ وحده يعرف ما هو لصالحنا. لذلك، يجب علينا أن نفكّر مليًّا وواقعيًّا بأحلامنا وآمالنا، وألاّ نكتفي بوضع هدف معيّن، بل أن نرسم خطّة عمليّة لكي نسير فيها. ويجب علينا أيضًا أن ندرس الهدف والطّريق من مختلف جوانبهما، والعراقيل الّتي قد نتعرّض لها، وكيف نتخطّاها ونتغلّب عليها. قال أحد الرّجال الحكماء: "إنّ الأحلام الّتي نحلمها لا تصنع حياتنا، بل الخيارات الّتي نتّخذها".

على الرّغم من أن أحلام اليقظة قد تبدو سهلة ومُريحة، إلاّ أنّها سمّ حلو المذاق قد يهدم النّفس المتألّقة. احلَم وتمنّى واستودع طموحاتك لإلهك القادر على أن يبارك طريقك وأهدافك. ولكن تذكّر، إن كنت قد بدأت حياتك الآن، أو قد صرت في منتصف الطّريق، أو تعدّ الأيّام نحو النّهاية، عليك أن تحفظ رجاء الرّبّ في قلبك وتطلب منه الحكمة وتعتمد عليه، فهو يُعطي بسخاء.