الشّكّ الدّينيّ

العدد:
السنة:

كما أنّ الإيمان قد يكون افتراضيًّا أو شخصيًّا، هكذا الشّكّ أيضًا قد يكون حول افتراضات أو أشخاص أو أمور أخرى. وإذا كان الشّكّ يتعلّق بافتراضات معيّنة، فهو يُدعى "موقف افتراضيّ"؛ أي موقف فكريّ معيّن يتّخذه شخص تجاه فرضيّة ما. وقد تكون هذه الافتراضات دينيّة أو علميّة، إلاّ أنّ الشّكّ يبقى هو نفسه، وفي جميع الحالات، أي التّعبير عن عدم الإيمان بصحّة الفرضيّة أو عدم صحّتها. وعلى الرّغم من أنّ الفرضيّة، موضع الشّكّ، قد تكون صحيحة ومُثبَتَة، إلاّ أنّ الشّكّ هو موقف شخصيّ لا علاقة له بالحقيقة المعتبرة.

والشّكّ، كما ذُكر سابقًا، قد يكون شكًّا افتراضيًّا. فمثلاً، إنّ الشّكّ بالله لا يعني أكثر من مجرّد الشّكّ بحقيقة الافتراض "إنّ الله موجود". لكن، ومن ناحية أخرى، غالبًا ما يرتبط الشّكّ بعمليّة عدم الثّقة. فإذا شكّ شخص ما بالله، فهو لا يُشير بذلك إلى عدم إيمانه بوجود الله، بل إلى أنّ الله لا يُعوَّل عليه، لذلك، فهو لا يمكنه الثّقة به أو الاتّكال عليه. ولعلّ أبلغ مثال حول أهميّة الثّقة هذه، نراه في كلام الرّبّ يسوع في يوحنّا 14: 1 "لا تَضْطَرِب قلوبُكُم. أنتُم تُؤمِنون بالله فآمِنوا بي". لم يطلب يسوع إلى تلاميذه أن يؤمنوا بالله وبوجوده فقط، فهو كان بينهم ومعهم، وهم، كموحِّدين، لم يشكّوا يومًا في وجود الله، بل أن يؤمنوا به ويُسلّموا أنفسهم له. إنّ عدم الثّقة وعدم الإرادة بالتّسليم هما ما يميّز بين الشّكّ الشّخصيّ والشّكّ الافتراضيّ.

هناك عدّة أنواع من الشّكّ الافتراضيّ، يظهر معظمها في الكتاب المقدّس. أوّلاً: الشّكّ الفلسفيّ، ويقسمه الفلاسفة إلى قسمين: الشّكّ الحاسِم أو النّهائيّ، ويُدعى "الشّكوكيّة"، والشّكّ المؤقّت (كما في مفهوم "ديكارت") الّذي يشكّ في صحّة أمر ما، من أجل الوصول إلى نتيجة أكثر دقّة، أيّ الشّكّ من أجل التّعلّم. وفي الكتاب المقدّس أمثلة كثيرة على الشّكّ المؤقّت، كما حصل مع توما عندما شكّ في قيامة الرّبّ يسوع. ومن المهمّ أنّ نلاحظ أنّ توما لم يلقَ كلمة توبيخ واحدة من الرّبّ يسوع، ولم يتُب على عدم إيمانه. إذًا، هذا النّوع من الشّكّ ليس خطيّة.

أمّا النّوع الثّاني من الشّكّ فهو يُعادل الإنكار. في هذا النّوع، لا يُعارض المرء لأجل التّعلّم أو لمجرّد التّشكيك، بل من باب الإصرار المُبطّن على الإنكار. إنّه شكّ يقول، وببساطة، "لا" حتّى للأدلّة والحقائق. وأوضح مثال على ذلك، هو ما قاله الشّيطان لحوّاء في جنّة عدن: "أحَقًّا قال الله لا تأْكُلا من كلّ شَجَر الجَنَّة؟" (تكوين3: 1). إنّه لا يسأل لأجل المعرفة، بل هو ينكر إنكارًا مُبطّنًا لحقيقة يُعلنها لاحقًا في العددين 4 و 5. ومثال آخر أيضًا، هو طلب الفرّيسيّن إلى يسوع أن يُريهم علامة أخرى، على الرّغم من كلّ العجائب الّتي صنعها أمامهم. لقد رفضوا الإيمان به على الرّغم من الدّليل الواضح، وطلبوا علامة أخرى، فرفض يسوع طلبهم ووبّخهم لأنّه علم أنّهم لن يؤمنوا حتّى لو قدّم لهم دليلاً آخر (متّى 12: 38-42).

وأخيرًا، هناك الشّكّ الّذي يُدعى "الشّكّ الجاهل"، وفيه يطلب الشّخص برهانًا آخر مقابل برهان لا يرفضه ويُقدّم له الدّليل الكافي لكي يؤمن، لاعتقاده بأنّ هناك تفسيرًا آخر قد يساعده على كشف الحقيقة بأكملها. وهو لا يعرف ما قد يكون التّفسير النّهائيّ لسؤاله، إذ قد يكون نال الإجابة سابقًا وهو لا يعلم. إنّ هذا النّوع من الشّكّ لا يرتكز على خلفيّة منطقيّة، إذ فيه يطلب المُشكّك تفسيرًا لا يعلم ما هو. والأمثلة على ذلك هي أكثر في الحياة اليوميّة منها في الكتاب المقدّس، ولعلّ ردّة فعل الملك "أغريباس" في وجه الدّليل الّذي قدّمه له الرّسول بولس (أعمال 26) هو مثال واضح على هذا النّوع من الشّكّ.

من هنا، ومن خلال نظرتنا إلى الأنواع العديدة من الشّكّ، نرى أنّ هناك عناصر عدّة لها علاقة بالشّكّ. فهناك العنصر المنطقيّ أو الفكريّ. ولكن، قد يستمرّ الإنسان في شكّه على الرّغم من البراهين الّتي يُدرك صحّتها وحقيقتها. لذلك، هناك أيضًا العنصر العاطفيّ أو الإراديّ، حيث يعرف الإنسان الحقيقة ويستمرّ في عدم إيمانه لأنّها لا تُعطيه الرّاحة والأمان بحسب رأيه، أو لأنّه يعرف مدى ما قد تورّطه هذه الحقيقة في التزامات قد تغيّر نمط حياته إنْ هو سلّم نفسه لها، لذلك يختار عدم الارتباط (العنصر الإراديّ)، ويبدأ بالشّكّ في أمر هذه الحقيقة. فمثلاً، وبحسب يعقوب 2: 19، نرى أنّ شكّ إبليس والشّياطين وعدم إيمانهم هو ليس فكريًّا، بل إراديّ وعاطفيّ. فقد يكون للمرء إيمان افتراضيّ بالمعنى الفكريّ، ولكنّه يرفض الإيمان بالشّخص (الثّقة والتّسليم). ومن ناحية أخرى، للإيمان أيضًا عناصر، يُشير إليها الكتاب المقدّس: العنصر الفكريّ (على الإنسان أن يعرف حقائق الإنجيل لكي يخلص)، العنصر العاطفيّ (التّصديق، والموافقة على أنّ ما يعرفه الإنسان مناسب له)، والعنصر الإراديّ (عنصر تسليم حياته لما يعرف أنّه الحقيقة).

AddToAny