الصّليب معبر العودة للشّركة المقطوعة

الموضوع:
العدد:
السنة:

جاء في سفر الأمثال عن الله قوله: "لذّّاتي مع بَني آدم". لقد أحبّ الله رفقة الإنسان لأنّه خلقه على صورته ومثاله، وأعطاه من روحه عندما نفخ في أنفه نسمة الحياة. وفي البداية، خلق الله إنسانًا كاملاً لا عيب فيه. أحبّه وتمتّع برفقته، وعلاقتهما لم تكن فقط علاقة الخالق بالمخلوق، بل علاقة الأب بابنه. لقد كانت لذّة الله أن يرى آدم كلّ يوم، يتحدّث إليه ويفرح معه، حتّى سقطت علاقة الرّفقة هذه بسقوط الإنسان في الخطيّة حيث فَقَد الشّركة والمتعة مع الله. وهكذا، شكّلت الخطيّة حاجزًا بين الخاطئ وبين الله. لكنّ هذا لم يغيّر محبّة الله للإنسان. وبقي شوق الله لإعادة الرّفقة بينه وبين الإنسان الّذي خلقه.

يُقدِّم الرّبّ يسوع في إنجيل لوقا قصّة الابن الضّالّ الّذي أخذ ميراثه من أبيه وسافر إلى كورة بعيدة، حيث أنفق فيها كلّ ماله. وهذا، عندما رجع إلى نفسه، عاد إلى أبيه، وأبوه إذ رآه من بعيد تحنّن عليه وركض ووقع على عنقه وقبّله. مَن يدرس القصّة يرَ أنّ هذا الأب كان يراقب دومًا الطّريق الّتي مضى ابنه فيها، متوقّعًا عودته فيتمتّع بمرآه ويفرح بالشّركة والرّفقة معه. فهو أحبّ ابنه محبّة أبويّة صادقة وثابتة، وتألّم بعد أن سُلِخ ابنه عنه بسبب تمرّده وخطاياه.

إذًا، الخطيّة فَصَلَت بين الله والإنسان. فمن جهة تمنع قداسة الله إعادة الشّركة والرّفقة بينه وبين الإنسان الخاطئ، لكن، من جهة أخرى، لم تشأ محبّته العظيمة للإنسان إبقاء هذا الانفصال من دون علاج. لذلك كان لا بدّ من تجسّد الابن الوحيد الّذي أظهر محبّة الله للإنسان وتوّجَها على الصّليب حيث تَمّم الفداء. حَمَل الله الابن القصاص عن الإنسان الّذي أحبّه. دفع ثمن خطاياه أمام قداسة الله الآب ليُصحِّح ما كُسِر ويُعيد بواسطته الشّركة الّتي كانت بين الله والإنسان إلى سابق عهدها.

كم هي عظيمة محبّة الله للإنسان الّذي خلقه. فبالصّليب أُعيد فتح طريق العبور، وأُعيدت الفرصة مجدّدًا كي نقترب من الله الّذي أحبّنا إلى المنتهى. فليتنا نتعلّم من الابن الضّالّ ونرجع إلى نفوسنا، ونعود إلى أبينا الّذي لا يزال ينتظرنا وينتظر عودتنا من الكورة البعيدة.

AddToAny