الصّمّ والبُكم

الكاتب:
العدد:
السنة:

طفلة عمرها سنتان تصرخ وتبكي من الألم. وعلى الرّغم من أنّ والدتها بالقرب منها، إلاّ أنّها لم تفعل شيئًا ولم تلتفت إليها. ما هو السّبب؟ إنّها لا تستطيع أن تسمع أو تتكلّم. إنّها صمّاء!

في هذا العدد من مجلّة "رسالة الكلمة"، أحبّ أن ألفت نظر القرّاء الكرام إلى هذه الشّريحة من المجتمع الّذي نعيش فيه. إنّهم الصّمّ والبُكم. لا أريد هنا أن أقوم بإحصاءات حول عددهم، لكنّني متأكّد من أنّهم كثر حولنا، ولا يكاد يوجد شخص منّا لا يعرف واحدًا منهم، على الأقلّ، أو أكثر. لقد كان لي الامتياز أن أساعد بعضًا منهم، فنشأت علاقات طيّبة بيني وبينهم، وبدأتُ أُدرك رويدًا رويدًا الحاجات والمعاناة الّتي يمرّون فيها.

هل فكّرتم يومًا في مدى أهمّيّة الأُذُن وسماع جرس الباب، أو رنين الهاتف، أو صوت الإنذار؟ هناك أصوات كثيرة دخلت آذانكم، واستطعتم بسهولة أن تُميّزوها وتُدركوا الغاية منها؟ يا أصدقائي، كثر هم المحرومون من هذه النّعمة بشكل جزئيّ أو كامل.

هل فكّرتم يومًا في أهمّيّة اللّسان، أو الكلمة المنطوقة، أو التّعبير اللّغويّ، أو صوت الكلمة، أو أنّ لكلّ حرف صوت خاصّ؟ هل فكّرتم يومًا في أن تُرنّموا للرّبّ، وترفعوا أصواتكم عاليًا لتسبيح اسمه؟ هناك مَن لا يستطيع فعل كلّ ذلك.

يا لها من نعمة كبيرة، وامتياز عظيم لنا أن نسمع ونتكلّم! وعلى الرّغم من أنّ للصّمّ والبُكم لغة خاصّة بهم، لغة الإشارة، وهي لغة تصويريّة، إلاّ أنّها تبقى لغة محدودة جدًّا. قد يستطيعون التّفاهم فيما بينهم، والتّواصل مع مَن حولهم، لكنّ الاتّصال يبقى صعبًا. وأحيانًا، قد تصل الرّسالة بشكل خاطئ، أو مشوّه.

يُعاني الصّمّ والبُكم كثيرًا في الشّرق الأوسط، إذ لا مراكز تأهيل جيّدة توفّر اهتمامًا عاليًا من قِبَل الاختصاصيّين. والمجتمع غير مؤهّل للقيام بدور إيجابيّ ومُسانِد. لذلك، نجد الكثير من الصّمّ مُنغلقين على أنفسهم، وخجولين أو مُنطوين على ذواتهم، ويخشون من مواجهة النّاس. بالإضافة إلى عدم قدرتهم على التّواصل مع مَن حولهم، فهم غير قادرين على الاستماع إلى الموسيقى أو نداء استغاثة أطفالهم وبكائهم. كما يُعانون عدم التّمكّن من الرّؤية في اللّيل، لذلك نجدهم يتجنّبون الخروج ليلاً. وقد تعرّض كثير منهم إلى العنف الجسديّ والاعتداءات الجنسيّة، بسبب عدم قدرتهم على الكلام أو التّعبير، فصاروا فريسة سهلة الوصول من قِبَل الجشعين ومَن حولهم. كما أنّهم مُهمّشون في المجتمع والبيت، ولا يُؤخذ بآرائهم ظنًّا أنّهم غير قادرين على اتّخاذ قرارات سليمة وصحيحة بسبب إعاقتهم.

لكن، ما هو موقف المسيحيّ تجاه هذه الشّريحة من المجتمع؟ وما هو دور الكنيسة، أو المجتمع تجاهها؟ يجب أن نتذكّر أنّ الكتاب المقدّس يتكلّم على الصّمّ ويُدافع عنهم دائمًا. ومنهم مَن قابل المسيح وطلب إليه الشّفاء، عندما كان على هذه الأرض. نسأل: ألا يجب أن يُقابلوا المسيح في أيّامنا هذه! لقد عملت الكنائس والهيئات المسيحيّة الكثير لخدمة الصّمّ والبُكم في القرنَين الماضيَين، بهدف المساعدة على التّغلّب على الإعاقة، ولجعل المجتمع يقبلهم كأعضاء حقيقيّين فيه. يبقى أنّ العمل الكبير النّاقص ما بين النّاس في المجتمع هو أن يتعاملوا مع الأصمّ باحترام وحنوّ وتعاون، ويُعاونوه في حياته، فيتمكّن من أن "يسمع" بشكل من الأشكال ليعرف ما يجب معرفته؛ فتتمّ نبوّة إشعياء فيه: "ويَسمَع في ذلِك اليَوم الصُّمّ أقوالَ السِّفر". ويأمر الكتاب المقدّس المؤمن والمجتمع بأن يحمي الأصمّ ويُدافع عن حقوقه: "اِفْتَح فَمَك لأجْل الأخْرَس في دَعوَى كلِّ يَتيم. اِفْتَح فَمَك. اقْضِ بالعَدْل وحامِ عن الفَقير والمِسْكين" (أمثال 31: 8-9).

أسأل: هل نُحاول فعلاً أن نكون صوت مَن لا صوت لهم؟ هل نُحاول أن نكسر جميع العوائق والحواجز لكي نصل إلى الصّمّ ونتعامل معهم باحترام كأشخاص غير منبوذين في المجتمع؟ هل نعترف بأنّهم مخلوقون على صورة الله ومثاله، وأنّهم بشر مثلنا؟ لو حاولنا ذلك، لاكتشفنا كم أنّهم ودودون، ويُحبّون مَن حولهم بسرعة. مجرّد أن نُقدّم لهم المحبّة نجد صداها واضحًا يعود إلينا. ما  أجمل أن يعرفوا، من خلال المحيطين بهم، أنّ الله أحبّهم هم أيضًا، وأعدّ لهم الكثير من البركات والنِّعم كما أعدّ لباقي النّاس. يجب أن نعرف أنّ الصّمّ، وإن اختلفوا عنّا في بعض الأمور، إلاّ أنّنا نُشبههم في الكثير الكثير، وما علينا إلاّ احترامهم احترامنا لأنفسنا وللخالق الّذي خلقنا جميعًا.

AddToAny