الصّوم في معانيه الجوهريّة

الموضوع:
العدد:
السنة:

هل أنت صائم؟  وهل تعرف لماذا؟  وما هو الصّوم؟

 

يمارس المؤمن فريضة الصّوم من وقت إلى آخر، أو في أوقات معيّنة خلال السّنة.  وتختلف دوافعها وتتنوّع بين الأشخاص؛ فبعضهم يقوم بها بدافع التّمسّك بالتّقاليد الدّينيّة المتوارثة معتبرًا أنّ عدم ممارستها يُقلّل من قدره أمام الله.  وبعضهم الآخر يحسبها طريقة تُشعره بالجوع حتّى يتعاطف مع الفقراء والمحتاجين.  هناك أيضًا مَن يحاول المحافظة على المظاهر الدّينيّة في محيطه (المرائي)، أو مَن يسعى وراء مآرب شخصيّة معيّنة... كلّها أسباب يبتدعها الإنسان ليصوم، لكنّها لا توصله إلى الغاية الحقيقيّة منه.  فهل يعتبر الله أنّ مُجرّد التّمسّك بالتّقاليد فضلاً؟  وهل يُحافظ الصّائمون على حياة روحيّة حقيقيّة؟  وهل يفكّرون في الفقراء خارج أيّام الصّوم؟

لغويًّا، الصّوم هو الانقطاع عن شيء ما.  وفي الكتاب المقدّس، لا يقتصر الصّوم فقط على الانقطاع عن الطّعام والشّراب والشّرور، بل هو سعي المؤمن لصرف الوقت الأكبر في حضرة الله والتّقرّب منه.  والصّائم الحقيقيّ هو الإنسان الّذي يبحث عن الوقت ليسكب فيه قلبه أمام الله، والّذي يريد أن يحرّك حياته الرّوحيّة، وأن يُنمّيها ويُقوّيها ويُلهبها.  هو الّذي يريد أن يدرّب نفسه أكثر ويحضّرها للخدمة لتمجيد المسيح.  وبمعنى آخر، الصّوم هو الامتناع عن كلّ ما يمكن أن يشغل الإنسان عن التّواصل مع الله؛ فالصّوم، بالنّسبة إلى المؤمن، ليس هدفًا بحدّ ذاته يريد عبر تحقيقه أن ينال مكافأة معيّنة، بل هو وسيلة ترفعه روحيًّا وتقرّبه أكثر إلى شخص الله القدّوس.

غالبًا ما ارتبط الصّوم، في الكتاب المقدّس، بالصّلاة (أعمال 3:13، 1كورنثوس 5:7). فبالصّلاة نحمد الله ونسبّحه، ونشكره، ونعترف له ونسأله، وبالصّوم نعتزل عن كلّ الشّهوات الأرضيّة وكلّ ما يمكن أن يشتّت تفكيرنا لنحصر أنفسنا وأرواحنا بالله، حتّى نستطيع أن نرتقي روحيًّا ونتقرّب منه.  إنّ الصّوم والصّلاة فعلان متشابهان من حيث الغاية، لا نقوم بهما كواجب العبد لسيِّده، بل هما عملان حيويّان ولا غنى لنا عنهما.

إليك، أيّها المؤمن، بعض النّصائح لكي لا تنسى غاية صَومِك.  يجب، أوّلاً، أن يكون الصّوم بدافع شخصيّ، أي بإرادة شخصيّة منك للامتناع عمّا يشغلك، لأنّك تريد تخصيص الوقت للرّبّ وللتّكلّم معه.  ثانيًا، لا تُقنع نفسك بأنّك صائم عن المتع الجسديّة ( الحلويات، الأغاني، نوع معيّن من الطّعام، وغيرها...).  إنّ المؤمن الحقيقيّ لا يسمح لهذه بأن تسيطر عليه، حتّى خارج فترة الصّوم، فأنت تريد التّفرّغ للجلوس مع الرّبّ وليس حرمان نفسك لفترة من الزّمن، ثمّ العودة إلى ما كنت عليه.  ثالثًا، انتبه إلى مظهرك الخارجيّ ولا تكن كالمرائين الّذين حذّر منهم الرّبّ يسوع قائلاً: "وأبوكَ الَّذي يَرى في الخَفاء يُجازيكَ عَلانِيَة" (متّى 6 :16-18).  وأخيرًا، لا تنسى الصّلاة، لأنّك بها تتواصل مع الرّبّ الّذي لا يريدك أن تتمسّك بالفرائض شكليًّا، بل أن تعطيه قلبك.