العاصفة مصنع الرجال

العدد:
السنة:

مرّت عاصفة شديدة في سويسرا، خرجت بعدها أتمشّى في الأحراج متفقداً ما أحدثته من خراب، ورأيت أشجاراً اقتلعتها الرياح من جذورها ولم يكن لها عمق في الأرض وانتفت قدرتها على مواجهة الإعصار.

بعد رجوعي إلى لبنان، زرت أحراج الأرز وشاهدت كيف كانت العواصف تلعب بالأشجار التي صمدت في مواجهة الرياح العاتية. وبعد المقارنة، سألت نفسي أي الأشجار أنا؟ هل إنّ إيماني مثبّت أو متزعزع؟

لقد علمتني شجرة الأرز أن الإيمان ينمو وسط العواصف التي تفيده جدًا.

الإيمان هو الوسيلة الإلهية التي نستطيع من خلالها أن نرى ما لا يُرى، ومن خلاله يتحول المستحيل إلى ممكن؛ فهو يعمل ضد الطبيعة وقوّتها وينمو وسط العواصف. ويبدو أنه عندما تتعرّض حياتنا للاضطرابات، يجد الإيمان تربته الصالحة للنمو والنضوج.

لا يوجد اقوى الأشجار في الأماكن المظلّلة أو الهادئة، بل نجدها في العراء عرضة للرياح الشديدة التي تهب عليها من كلّ النواحي، فتحنيها وتتلاعب بها لفترات طويلة حتى تصبح أشجاراً عظيمة الثبات وقوية البناء.

نذكر، عند رؤيتنا أبطال الإيمان، الطريق التي اجتازوها للوصول إلى هذه الحالة. وهي ليست طريقًا مشمسة تنمو على جانبيها الزهور، إنما هي طريق وعرة وصخرية تهب عليها الرياح والعواصف وتكثر فيها الوحوش الضارية.

يكون تاريخ البطولة دائمًا خشناً وصعبًا، ولا يتكوّن الإنسان تكويناً صالحاً إلا بعد اجتيازه الزوبعة وعبوره الطريق الذاخرة بالضغوطات والألم والحزن والشقاء والدموع والتجارب والانتصارات.

قد نخاف في وسط الزوابع الشديدة، ونرغب في الرجوع وفي تفاديها، لكنّ الله يلاقينا في وسطها ويشجّعنا ويعدنا بمواعيده. ويقوّي إيماننا ويسندنا بذراعه ويضيء علينا بوجهه المنير ويخرجنا من وسط ضيقنا مصفّين كالذهب النقي البرّاق.

AddToAny