العرض الثمين الذي لا يهمل!

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

عاش نوح في زمن رديء أشبه بأيّامنا هذه. حيث الشرّ كان مُتفشّيًا بقوّة في المجتمع البشري. وجاء في الكتاب أنّ الرّب "رأى شَرَّ الإِنْسَان قد كَثُرَ في الأرض، وأَنَّ كلّ تَصَوُّر أفْكار قلبه إِنّما هو شرِّيرٌ كلّ يوم". فكان القرار الإلهي: "أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الذي خَلَقْتُهُ!". وأمّا نوح فكان مؤمنًا بالرّب وقرّر أن يسير معه بغضّ النظر عن الرأي السائد آنذاك. فطالبه الرّب أن يصنع لنفسه فُلكاً. وما إن سمع نوح تحذير الرّب، خاف على عائلته واستجاب لصوت إلهه مؤمنًا بكلامه. وشمل خوفه أيضاً الناس حواليه وبدأ يكرز لهم بخلاص الرّب ويحذّرهم من الطوفان الآتي! واستمرّ يشهد لهم طيلة المدّة التي استغرق فيها بناء الفُلك.

لم يلقَ هذا التحذير أي صَدى في حياة الناس، بل قُوبل بالرفض والاستهزاء. ومع كل حرصه الشديد عليهم برجوعهم الى الرّب لئلاّ يهلكوا بالطوفان، استخفّوا بكلامه واستهانوا بتحذيره! فكانت مناشدته بالنسبة لهم مجرّد سخافة! وموضوع سُخرية! لم يأخذوا إنذاره على محمل الجد، ولم يعيروا انتباهاً، ولم يُبدُوا أي تجاوباً! فكان نوح بالنسبة لهم أضحوكة عصره! وفلتة زمانه! وإذ بهم يهزؤون به: عن أي طوفان تتكلّم! وأيّة سفينة تبني! كلامٌ فارغ وجهدٌ ضائع! فكيف لإله محبّ ورحوم أن يهلك البشر؟ لقد راهنوا بالحقيقة على طيبة الله! وتجاهلوا عدالته ودينونته! وبدل أن يستجيبوا لتحذيره ويستفيدوا من عرضه ويتوبوا عن خطاياهم، راحوا يستهزئون ويجودون في إتمام شهواتهم، ورفضوا خشبة خلاصهم حتى الموت! وما إن انتهى نوح من بناء الفُلك، دعاه الله ليدخل فيه هو وعائلته. وجاءَ الطوفان، وما إن غمرت المياه أعناقهم حتى تحوّلت سُخريتهم الى صرخة مطالِبة بالدخول الى الفُلك، ولكنهم عجزوا عن ذلك، لأنّ الربّ كان قد أغلق الباب!!! (تك 7: 16).

حقاً ما أشبه أيّامنا بأيّام نوح! لكن في المرة الأوّلى حذّر الرّب "نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي"، فأَرسَل لهم طوفاناً وأهلك الجميع. وأمّا التحذير الإلهي ليومنا هو أرهب بكثير: "نِهَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ قَدِ اقْتَرَبَتْ!" (1بط 7:4)، والكلام هنا عن انحلال السماوات واحتراق الأرض! والناس مرّة أخرى تستهزئ بمجيئه وتستخفّ بدينونته. ويبقى السؤال: هل من خلاص لمَن أهمل خلاص المسيح؟ والجواب الحتمي هو لا! ولهذا يدعونا المسيح اليوم لنأتي إليه ونستفيد من خلاصه الذي أجراه على خشبة الصليب وندخل ملكوته، قبل أن يُغلِق باب النعمة فتلتهمنا نار الجحيم ونهلك الى أبد الآبدين! فلا نكرّر الغلطة ذاتها! لقد قدّم لنا المسيح حَلاًّ جذرياً لخطايانا وضمانة أبدية لآخرتنا مجّاناً بنعمته، فكيف ننجُو إن أهْملنا خلاصاً هذا مقداره؟

AddToAny