العودة إلى الحكمة

الموضوع:
العدد:
السنة:

الحكيم قويّ. الجاهل ضعيف. الحكمة تقضي بأن يستخدم الإنسان عقله ومعرفته بحسب الحقّ. هنا يبدأ التّمييز بين الحقّ والباطل. لا يقبل الحكيم أن يعيش في الباطل ولا أن يُسايره. هو يرفض حتّى شبه الشّرّ. الحكيم هو الّذي يقدر على رفض الشّرّ، وفي الوقت ذاته يستنبط الحلول للتّقدّم إلى الأمام. لا يقبع الحكيم تحت قبّة اليأس ليزداد وقارًا. هو يُغامر نحو الأفضل ويفكّ العقد الواحدة تلو الأخرى من دون أن يخاف من احتمالات الخطأ. الخطأ عنده يُعالَج، ولا يقبل أن يبقى عنده لكي لا يدفع من رصيده شيئًا. هو يعلم أنّ الله أنعم عليه بعقل وقدرات يستخدمهما لخيره الشّخصيّ وخير المحيطين به. يعرف أنّ الحكمة وزنة أعطيَت له لكي يستخدمها. بعضهم يتعاطى مع الحكمة كالتّراث، يُحافَظ عليه في متحف الحياة فيتمتّع به النّاظر في وقت الفراغ. وبعضهم يرى في الحكمة رصيدًا ينفع أكثر عند استخدامه.

قيل في القديم إنّ الحكمة هي أمّ الفضائل. فهي تُعلّم الإنسان العفّة والعدلَ والشّجاعة والفهم، وهذه أكثر نفعًا من أيّ شيء في الحياة. مَن أحبّ الصّلاح والنّجاح أحبّ الحكمة ولبّى نداءها وأتى إليها من دون خوف وتردّد. عجيب أمر أناس يدّعون الحكمة ولا يعملون بموجبها. يخافون أن تُغيّر فيهم عاداتهم وطرقهم وحياتهم. بعضهم لا يُريد من الحكمة سوى المعرفة النّظريّة في الماورائيّات وأسرار الوجود وفي كلّ ما لا يُطبّق على أرض البشر. هؤلاء يدفعون بالنّاس إلى الهرب من طلب الحكمة إذ يرون فيها صنوًا للجماد أو للسّباحة في فضاء فرضيّ. مجتمعنا اليوم لا يُنمّي حكمة النّاس. وسائل الإعلام والمدارس والأندية والأحزاب، وحتّى الكنائس، لا تعمل على تنمية الحكمة لدى بني البشر. هكذا يزداد عدد الضّعفاء ويغرق مجتمع اليوم بأكمله في مستنقع الجهل والضّعف والحياة الدّنيا.

أمّا الحكمة فما زالت تُنادي في الأزقّة والمفارق والأبواب: "فالآن أيُّها البَنون اسْمَعوا لي... اسْمَعوا التَّعْليم وكونوا حُكَماء ولا ترْفُضوه. لأنّه مَنْ يَجدُني يَجد الحياة، ويَنالُ رضًى من الرّبّ، ومَنْ يُخْطِئ عنّي يَضُرّ نفْسَه. كُلّ مُبْغِضيّ يُحبّونَ الموت" (أمثال 8: 32-36). طلب الملك سليمان الحكمة من الله فنالها، وعمِل بها فرفّعته وكلّلت رأسه بالمجد وقال فيها عن اختبار: "فرأيْتُ أنّ للحِكْمة مَنْفعَةً أكثر من الجهْل، كما أنّ للنُّور مَنْفعةً أكْثر من الظُّلْمة. الحكيمُ عَيْناه في رأْسه، أمّا الجاهِلُ فيَسْلُكُ في الظَّلام" (جامعة 2: 13).

وحدها الحكمة من بين كافّة الأرصدة الّتي يملكها الإنسان تجعله قويًّا بالحقّ. الصّحّة والمال والسّلطة كلّها تتبدّد، ومع زوالها، يشعر صاحبها بالوَهَن، أمّا الحكمة فإنْ امتلكها الإنسان جعلته قادرًا وواثقًا ومُباركًا. جاء في الكتاب المقدّس أنّ الله خلق الإنسان على صورته ومثاله. وما هي صورة الله؟ إنّه الـ"لوغوس"، العقل الأسمى، "الكلمة الإلهيّ"، حيث تسكن الحكمة والجبروت. وما أراد في إنسانه إلاّ أن يكون مثله حكيمًا ومقتدرًا. وما الّذي فعلته الخطيّة وما زالت تُمعن به، سوى أن تجعل من الإنسان جاهلاً وهزيلاً فتُفقده صورة خالقه. وحده التّواضع والشّعور بالحاجة إلى الحكمة وطلبها من أبي الأنوار، يجعلنا نعود إلى الطّريق الصّاعد إلى العلاء باتّجاه ذاك الّذي أرادنا أن نُشابهه. عندها، فقط، تُصان حياة الإنسان وتُكلّل بالمجد والكرامة والنّعمة والجمال.