العودة الثانية للابن الضّال

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

من منّا لا يعرف قصّة الإبن الضّال الّتي حكاها يسوع؟ والنّاس عادة يُركّزون على كون بطل هذه القصّة هو شاب خاطئ شرد من بيت أبيه ثمّ تاب ورجع. لكنّ الرَّب جعلني أنظر إلى هذه القصّة من زاوية أخرى. فمنذُ أيّام، بينما كنت أتأمّل في كلمة الله، رحت أفكّر في حالتي الروحيّة الرّاهنة. مرَّت عشر سنوات منذ أن سلَّمتُ حياتي ليسوع وتبعته. كان طموحي كبيرًا لأنمو روحيًّا وأخدم إلهي المجيد. فتساءلت، أين أنا الآن؟ هل بلغت منتصف رحلتي التي رغبت بها؟ لا. بل اكتشفت أنّني سلكت طريقًا مختلفة تمامًا.

تزاحمت في رأسي ذكريات علاقتي مع الرَّب خلال العقد الماضي. كم كان قريبًا منّي في البداية! لقد دخلَ قلبي، وغسَلني بدمه، وغمرني بروحه، وكساني بالسّلام والفرح. كنت فيه خليقة جديدة، ولمعت محبّته في عينيّ وظهر حقّه في ابتسامتي. وأصبح أكثر من صديق بالنسبة لي. وكنت كلّما عرفته أكثر، تعلّقت به بشدّة. وجدتُ الأمان في حضوره معي، ووجدت الرّاحة في حكمته وإرشاده.

مرّت الأيام، اشتدَّت التّجارب وصَعُبَت الضّيقات، فتشبّثت أكثر بيسوع. ثمّ واجهت حقيقة الموت حينَ توفّي والدي في سنٍّ مُبكرةٍ. وابتدأ القلق يعترض طريقي، لكنّ الرّب اقترب منّي أكثر؛ وسرعان ما أصبحَ ملِكًا على حياتي. صارت خطَطُه أحلامي، وأفكارُه أفكاري، ومشيئتُه أفعالي. بَدَت علاقتي به كاملة، كقصّة حبّ  متبادلة، وذلك بفضل مؤازرته اللامحدودة لي.

التحقت بعد ذلك بالجامعة، عالَم جديد متغيِّر مليء بالانتصارات، وأيضًا بالتّجارب. وهناك قابلتُ أناسًا جددًا وتولَّيتُ وظائف مميَّزَة. لكن عندها ويا للأسف، خُدِعت وانجذبت بالكبرياء والشَّهوة. وكان عندما نلت منحة دراسيّة لشهادة الماجستير أن "الكبرياء" ظهر أمامي كشاب وَسيم ولطيف ومَرِح. أحببته، وتمسّكت به، وتخلَّيت عن صديقي "التّواضع" الّذي عرفته في المسيح، الأمر الّذي خلق عداوة بيني وبين يسوع.

ثمّ جاءت الشَّهوة واستولت على بصيرتي. بهُتَت أمام ناظري الأهداف السّماويّة التي أعدّها الربّ لخيري. انبهرتُ بملذّات العالَم المنوّعة الأقنعة: الحسَد خلف لذّة الطّموح؛ والشَّك المغمَّس بحلاوة الحكمة الدّنيويّة؛ والبرّ الذّاتي الغارق في ذِكريات الماضي. ومع رفاقي الجدُد لم يَعد لله مكانٌ في قلبي. إنّه سيّد لطيف ونبيل، وقد تنحّى جانبًا حين رآني أُسرِع لأبتعد عن الطَّريق الّتي رسمَها لي. وها قد بلغت حافّتها! فجلست أتطلّع الى أرض الأحياء الأموات حيث احتفلت الكبرياء مع الشَّهوة وشربت نخبها. وجدت نفسي كالإبن الضّال تائهة بعيدًا عن أبي، وعن محبّتي الأولى. فبعد أن كنت ضيفة شرف في مملكته، ها أنا أجلس والنَّدم وتأنيب الضَّمير يُثقلان قلبي، وروحي تبكي بشَوق للعَودة إلى الرَّب.

وهنا سمعتُ صوتًا مألوفًا يَدعوني، "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ". التفَتُّ فرأيت اليَد الّتي نشلَتني مرّة من الهوّة الّتي كنتُ غارِقةً فيها. وأدركت أنّ ثمّة خيار ينبغي اتّخاذه من جديد. يجب أن أعودَ إلى أبي وأتخلّى عن مكتسباتي الفانية. أحتاج الوثوقَ باليد المَمدودة أنها ستؤمِّن لي ما هو أفضل. عليّ أن أغوص في عمق كياني لأتذكّر طعم المحبّة الطاهرة.

كان يسوع حُبّي الأوَّل وصديقي الأوَّل الّذي خلَّصني من أعماق يأسي. التقيته في الماضي؛ ثمّ تخلَّيت عنه في الحاضر. اليوم، وأنا أنظر إلى المستقبل، أدركتُ أنَّ الإبن الضّال قد اتّخذ قرارا بالعَودة، ربّما للمرّة الثّانية. لم يدوِّن الأب سجلاًّ بأخطائه، بل احتفل برجوع ابنه المحبوب وأعطاه نعمة البنوية من جديد.